فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 865

تضعف عن السير ولا تجمح بل تنقاد للروح, ثم التوسط في هذا المجموع أي: الحكمة والعفة والشجاعة هي العدالة فلهذا فسر الوساطة بالعدالة فالعدالة تقتضي الرسوخ على الصراط المستقيم, وتنفي الزيغ عن سواء السبيل."وقوله عليه الصلاة والسلام:"لا تجتمع أمتي على الضلالة"وقوله عليه السلام:"ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن""هذه هي الأدلة المشهورة على أن الإجماع حجة فقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} فقد عرفت ما عليه.

وأما غيره من الآيات فدلالته على أن اتفاق مجتهدي عصر واحد حجة ليست بقوية وما ذكر من أخبار الآحاد فبلوغ مجموعها إلى حد التواتر غير معلوم والإجماع دليل قاطع يكفر جاحده فيجب أن تكون الدلائل الدالة على أنه دليل قاطع قطعية الدلالة على هذا المدلول المطلوب فأنا أذكر ما سنح لخاطري فأقول القضايا المتفق عليها نوعان: أحدهما: ما اتفق عليه جميع الناس نحو العدل حسن, والظلم قبيح فهذا النوع يجب أن يكون يقينيا يضاهي المتواترات والمجربات; لأن الناس إذا اتفقوا على قضية فإن لم تكن ثابتة عندهم

فيما لا ينبغي كالمتشابهات وعلى وجه لا ينبغي كمخالفة الشرائع نعوذ بالله تعالى من علم لا ينفع, وتفريطها الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية بالإرادة والوقوف عن اكتساب العلوم النافعة. وأما الشجاعة فهي انقياد السبعية للناطقية في الأمور ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الهائلة حتى يكون فعلها جميلا, وصبرها محمودا, وإفراطها التهور أي: الإقدام على ما لا ينبغي, وتفريطها الجبن أي: الحذر عما لا ينبغي الحذر عنه, وأما العفة فهي انقياد البهيمية للناطقية ليكون تصرفاتها بحسب اقتضاء الناطقية ليسلم عن استعباد الهوى إياها واستخدام اللذات. وإفراطها الخلاعة, والفجور أي: الوقوع في ازدياد اللذات على ما يجب, وتفريطها الخمود أي: السكوت عن طلب اللذات بقدر ما رخص فيه العقل والشرع إيثارا لا خلقة فالأوساط فضائل, والأطراف رذائل, وإذا امتزجت الفضائل الثلاثة حصلت من امتزاجها حالة متشابهة هي العدالة, فبهذا الاعتبار عبر عن العدالة بالوساطة, وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام:"خير الأمور أوسطها", والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس الناطقة لتصل بذلك إلى كمالها اللائق بها ومقصودها المتوجهة إليه. وفي السبعية كسر البهيمية وقهرها ودفع الفساد المتوقع من استيلائها, واشترط التوسط في أفعالهما لئلا تستبعد الناطقة في هواهما, وتصرفاتهما عن كمالها ومقصدها وقد مثل ذلك بفارس استردف سبعا وبهيمة للاصطياد فإن انقاد السبع, والبهيمة للفارس واستعملهما على ما ينبغي حصل مقصود الكل بوصول الفارس إلى الصيد, والسبع إلى الطعمة, والبهيمة إلى العلف, وإلا هلك الكل, فقوله: النفس الحيوانية أراد بها ما هو أعم من البهيمية والسبعية. وأما الكلام في أن هذه الثلاثة نفوس متعددة أم نفس واحدة مختلفة بالاعتبارات أم قوى, وكيفيات للنفس الإنسانية فموضعه علم آخر.

قوله:"وأما غيره من الآيات فدلالته على أن اتفاق مجتهدي عصر واحد حجة"قطعية ليست بقوية أما قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} الآية; فلأن الظاهر أن الخطاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت