وأما الثاني فإما أن يكون حكما أصليا أو لا يكون: أما الأول فإن كان الفعل أولى من الترك مع منعه فإن كان هذا بدليل قطعي فالفعل فرض وبظني واجب، وبلا منعه فإن
ـــــــ
"وأما الثاني"أي ما يعتبر فيه المقاصد الأخروية"فإما أن يكون حكما أصليا"أي غير مبني على أعذار العباد"أو لا يكون: أما الأول", وهو الحكم الأصلي"فإن كان الفعل أولى من الترك مع منعه"أي مع منع الترك"فإن كان هذا"أي كون الفعل أولى من الترك مع منع الترك"بدليل قطعي"فالفعل فرض وبظني واجب, وبلا منعه فإن كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين
الانتفاع به وبعضهم على أنها من خطاب الوضع بمعنى أنه حكم بتعلق شيء بشيء تعلقا زائدا على التعلق الذي لا بد منه في كل حكم, وهو تعلقه بالمحكوم عليه وبه, وذلك أن الشارع حكم بتعلق الصحة بهذا الفعل وتعلق البطلان أو الفساد بذلك. وبعضهم على أنها أحكام عقلية لا شرعية, فإن الشارع إذا شرع البيع لحصول الملك وبنى شرائطه وأركانه فالعقل يحكم بكونه موصلا إليه عند تحققها وغير موصل عند عدم تحققها بمنزلة الحكم بكون الشخص مصليا, أو غير مصل.
فعلى ما ذكرنا الصحة والبطلان والفساد معان متقابلة حاصلها أن: الصحيح ما يكون مشروعا بأصله ووصفه. والباطل ما لا يكون مشروعا بأصله, ولا بوصفه. والفاسد ما يكون مشروعا بأصله دون وصفه, وهذا معنى قولهم: الصحيح ما استجمع أركانه وشرائطه بحيث يكون معتبرا شرعا في حق الحكم. والفاسد ما كان مشروعا في نفسه فائت المعنى من وجه لملازمة ما ليس بمشروع إياه بحكم الحال مع تصور الانفصال في الجملة. والباطل ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة إما لانعدام معنى التصرف كبيع الميتة والدم, أو لانعدام أهلية المتصرف كبيع الصبي والمجنون, وقد يطلق الفاسد على الباطل, وعند الشافعي رحمه الله تعالى الباطل والفاسد اسمان مترادفان لما ليس بصحيح, وهذا اصطلاح لا معنى للاحتجاج عليه نفيا وإثباتا. ولقائل أن يقول: إذا كانت الصحة عبارة عن كون الفعل موصلا إلى المقصود لم تكن مقابلة للفساد بل أعم منه; لأن الصلاة الفاسدة توجب تفريغ الذمة بحيث لا يجب قضاؤها والبيع الفاسد يوجب الملك فينبغي أن يكون صحيحا بل نافذا لترتب الأثر عليه, ثم على ما ذكره النافذ أعم من اللازم والمنعقد أعم من النافذ, ولا يظهر فرق بين الصحيح والنافذ.
قوله:"فالفعل فرض"فيه إشارة إلى أن المتصف بالحرمة والوجوب ونحوهما هو فعل المكلف والحكم الذي بمعنى الخطاب إنما هو الإيجاب والتحريم ونحوهما, والذي هو بمعنى أثر الخطاب هو الوجوب والحرمة ونحوهما, وهذا التقسيم وقع للفعل أولا بالذات, ويفهم منه تقسيم الحكم, وكذا يفهم منه تعريف الفرض والواجب والحرام ونحو ذلك وتعريف الفرضية والوجوب والحرمة ونحوها ومعنى أولوية الفعل, أو الترك أولويته عند الشارع بالنص عليه, أو على دليله. وفي إطلاق الأولوية على ما هو لازم يمتنع نقيضه كالفرض والواجب والحرام نوع تسامح, والمراد باستواء الفعل والترك في المباح استواؤهما في نظر الشارع بأن يحكم بذلك صريحا, أو دلالة بقرينة أن الكلام في متعلق الحكم الشرعي فيخرج فعل البهائم والصبيان والمجانين ونحو ذلك. فإن قلت: