فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 865

واعلم أن وجوب التحري عند الشافعي رحمه الله تعالى إنما هو إذا لم يوجد ماء آخر طاهر بيقين, وأما إذا وجد فالتحري جائز فلهذا عدل المصنف رحمه الله تعالى عن عبارة فخر الإسلام رحمه الله تعالى حيث قيد جواز التحري في مسألة الإناءين بحالة السفر أي حالة عدم القدرة على ماء طاهر بيقين ثم لا يخفى أن عدم صحة التيمم قبل التحري عند الشافعي رحمه الله تعالى مبني على أنه لا صحة للتيمم بدون العجز عن الماء سواء كان خلفا ضروريا أو خلفا مطلقا, ولا عجز مع إمكان التحري, ولذا جوز التيمم فيما إذا تحير فتفريع هذه المسألة على كون التيمم خلفا ضروريا بمعنى أنه إنما يكون بقدر ما يندفع به ضرورة إسقاط الفرض ليس كما ينبغي وإن أريد بكونه ضروريا أنه لا يكون إلا عند ضرورة العجز عن استعمال الماء فهذا مما لا يتصور فيه نزاع.

قوله:"ثم عندنا"أي بعد ما اتفق أصحابنا على كون الخلف خلفا مطلقا اختلفوا في تعيين الخلف فقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى الخلفية في الآلة بمعنى أن التراب خلف عن الماء لأنه تعالى نص عند النقل إلى التيمم على عدم الماء, وكون التراب ملوثا في نفسه لا يوجب العدول عن ظاهر النص لأن نجاسة المحل حكمية فيجوز أن يكون تطهير الآلة أيضا كذلك, وقوله عليه الصلاة والسلام:"التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء"1 يؤيد ذلك فإن قيل: لو كانت الخلفية في الآلة لافتقرت إلى الإصابة كالماء إذ من شرط الخلف أن لا يزيد على الأصل فلم يجز التيمم بالحجر الملساء قلنا: ليس هذا من الزيادة في شيء لأن معناها الزيادة في الحكم, وترتب الآثار, ألا يرى أن استغناء التيمم عن مسح الرأس والرجل لا يوجب زيادته على الوضوء فعندهما يجوز إمامة المتيمم للمتوضئ إذا لم يجد المتوضئ ماء لأن شرط الصلاة في حق كل منهما موجود بكماله فيجوز بناء أحدهما على الآخر كالغسل على الماسح مع أن الخلف بدل من الرجل في قبول الحدث, ورفعه, وأما إذا وجد المتوضئ ماء فإن كان في زعمه أن شرط الصلاة لم يوجد في حق الإمام, وأن صلاته فاسدة فلا يصح اقتداؤه به كما إذا اعتقد أن إمامه مخطئ في جهة القبلة, وقال محمد وزفر رحمهما الله تعالى: الخلفية في الفعل بمعنى أن التيمم خلف عن التوضؤ لأن الله تعالى أمر بالوضوء أولا ثم بالتيمم عند العجز فلا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم كاقتداء غير المومئ بالمومئ, وما ذكر أن زفر مع محمد في هذه المسألة يوافق ما ذكره الإسبيجابي في شرح المبسوط إلا أن المذكور في عامة الكتب أنه يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عند زفر رحمه الله تعالى, وإن وجد المتوضئ ماء.

قوله:"وشرط الخلفية"أي لا بد في ثبوت الخلف عن إمكان الأصل ليصير السبب منعقدا للأصل ثم من عدم الأصل في الحال لعارض إذ لا معنى للمصير إلى الخلف مع وجود الأصل مثلا إرادة الصلاة انعقدت سببا للوضوء لإمكان حصول الماء بطريق الكرامة ثم لظهور العجز ينتقل الحكم إلى التيمم, وهذا كما إذا حلف ليمسن السماء فإن اليمين قد انعقدت موجبة للبر لإمكان مس السماء في الجملة إلا أنه معدوم عرفا وعادة فانتقل الحكم إلى الخلف, وهو الكفارة بخلاف ما إذا حلف على نفي ما كان أو ثبوت ما لم يكن في الزمان الماضي فإنه لا يثبت الكفارة لعدم إمكان البر على ما سبق تحقيق ذلك.

ـــــــ

1 رواه أحمد في مسنده 5/146، 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت