ثم لما كان ميزان العقل متفاوتا في أفراد الناس متدرجا من النقصان إلى الكمال والاطلاع على حصول ما ذكرنا أنه مناط التكليف متعذر قدره الشرع بالبلوغ إذ عنده يتم التجارب بتكامل القوى الجسمانية التي هي مراكب للقوى العقلية، ومسخرة لها بإذن الله تعالى.
ـــــــ
المذكورة, وإذا لم تحركه إلى الخير وعن الشر علم عدم معرفتها بالخير والشر إذ لو كانت عارفة لحركته ثم عدم معرفتها لعدم قابليتها إذ لو كانت قابلة وقد قلنا: إن ذلك الجوهر دائم الإشراق لكانت عارفة فعلم أن وجود العقل, وعدمه يعرفان بالأفعال"ثم لما كان العقل متفاوتا في أفراد الناس", وذلك التفاوت إنما يكون لزيادة قابلية بعض النفوس ذلك الفيض والإشراق لشدة صفائها ولطافتها في مبدأ الفطرة, ونقصان قابلية بعضها لكدورتها, وكثافتها في أصل الخلقة"متدرجا من النقصان إلى الكمال"بواسطة كثرة العلوم, ورسوخ الملكات المحمودة فيها فتصير أشد تناسبا بذلك الجوهر, ويزداد استضاءتها بأنواره, واستفادتها مغانم آثاره فالقابلية المذكورة سبب لحصول العلم والعمل ثم حصول العلم والعمل سبب لزيادة تلك القابلية.
"والاطلاع على حصول ما ذكرنا أنه مناط التكليف متعذر قدره الشرع بالبلوغ إذ عنده يتم التجارب بتكامل القوى الجسمانية التي هي مراكب للقوى العقلية, ومسخرة لها بإذن الله تعالى, وقد سبق في باب الأمر الخلاف في إيجابه الحسن, والقبح فعند المعتزلة الخطاب"
من حيث إنهما خير وشر, وبالعكس أما الأول فلأن الشرور مستلذات البدن, وملاءمات الشهوة والغضب والخيرات مشاق وتكاليف ومخالفات للهوى فلا يتصور الميل عن الملائم إلى المنافر إلا بعد معرفة أن الأول شر والثاني خير وأما الثاني فلأن الخير والكمال محبوب بالذات, والنفس مائلة إلى الكمالات مهيأة لتطويع القوى وأمرها بالخيرات فإذا اكتسبت العلم بالخير والشر, وعرفتهما من حيث إنهما خير وشر حركت البدن نحو الخير لا محالة ثم معرفة الخيرات والشرور تستلزم قابلية النفس لإشراق نور العقل عليها بمعنى حصول الشرائط, وارتفاع الموانع من جانبها, وهذا ظاهر, والقابلية تستلزم المعرفة لأن ذلك الجوهر المفيض دائم الإشراق لا انقطاع لفيضه, ولا ضنة من جانبه بمنزلة الشمس في الإضاءة فيكون بين فعل الخيرات وترك الشرور وبين القابلية المسماة بالعقل تلازم فيستدل من فعل الخيرات على وجود العقل استدلالا بوجود الملزوم على وجود اللازم ويستدل من ترك الخيرات على عدم العقل استدلالا من عدم اللازم على عدم الملزوم.
قوله:"ثم لما كان"يعني أن العقل متفاوت في أفراد الإنسان حدوثا, وبقاء أما حدوثا فلأن النفوس متفاوتة بحسب الفطرة في الكمال والنقصان باعتبار زيادة اعتدال البدن ونقصانه فكلما كان البدن أعدل, وبالواحد الحقيقي أشبه كانت النفس الفائضة عليه أكمل, وإلى الخيرات أميل, وللكمالات أقبل وهذا معنى صفاتها, ولطاقتها بمنزلة المرآة في قبول النور, وإن كانت بالعكس فبالعكس, وهذا