أما الأولى فبناء على الذمة، وهي في اللغة العهد، وفي الشرع وصف يصير به الإنسان أهلا لما له، وعليه.
ـــــــ
اللغة العهد, وفي الشرع وصف يصير به الإنسان أهلا لما له, وعليه قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ
لا تثبت إلا بالعقل فإن الأهلية ضربان: أحدهما أهلية الوجوب أي صلاحيته لوجوب الحقوق المشروعة له, وعليه, والثانية أهلية الأداء أي صلاحيته لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعا, والأولى بالذمة, ولما وقع في كلام البعض أن الذمة أمر لا معنى له, ولا حاجة إليه في الشرع, وأنه من مخترعات الفقهاء يعبرون عن وجوب الحكم على المكلف بثبوته في ذمته حاول المصنف رحمه الله تعالى الرد عليهم بتحقيق الذمة لغة, وشرعا وإثباتها بالنصوص, وتحقيق ذلك أن الذمة في اللغة العهد فإذا خلق الله تعالى الإنسان محل أمانته أكرمه بالعقل, والذمة حتى صار أهلا لوجوب الحقوق له, وعليه, وثبت له حقوق العصمة, والحرية والمالكية كما إذا عاهدنا الكفار, وأعطيناهم الذمة تثبت لهم وعليهم حقوق المسلمين في الدنيا, وهذا هو العهد الذي جرى بين الله تعالى, وعباده يوم الميثاق المشار إليه بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} على ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من بعض على حسب ما يتوالدون إلى يوم القيامة في أدنى مدة كموت الكل بالنفخ في الصور, وحياة الكل بالنفخة الثانية فصورهم, واستنطقهم, وأخذ ميثاقهم ثم أعادهم جميعا في صلب آدم ثم أنسانا تلك الحالة ابتلاء لنؤمن بالغيب.
وحاصل كلام المصنف رحمه الله تعالى من الاستدلال بالآيات أن الإنسان قد خص من بين سائر الحيوانات بوجوب أشياء له وعليه, وتكاليف يؤاخذ بها فلا بد فيه من خصوصية بها يصير أهلا لذلك, وهو المراد بالذمة فهي وصف يصير به الإنسان أهلا لما له, وما عليه, واعترض بأن هذا صادق على العقل بالمعنى المذكور فيما سبق وأن الأدلة لا تدل على ثبوت وصف مغاير للعقل, وأجيب بأنا لا نسلم أن العقل بهذه الحيثية بل العقل إنما هو بمجرد فهم الخطاب, والوجوب مبني على الوصف المسمى بالذمة حتى لو فرض ثبوت العقل بدون ذلك الوصف كما لو ركب العقل في حيوان غير الآدمي لم يثبت الوجوب له وعليه, والحاصل أن هذا الوصف بمنزلة السبب لكون الإنسان أهلا للوجوب له, وعليه, والعقل بمنزلة الشرط فإن قلت فما معنى قولهم وجب أو ثبت في ذمته كذا قلت معناه الوجوب على نفسه باعتبار ذلك الوصف فلما كان الوجوب متعلقا به جعلوه بمنزلة ظرف يستقر فيه الوجوب دلالة على كمال التعلق, وإشارة إلى أن هذا الوجوب إنما هو باعتبار العهد, والميثاق الماضي كما يقال وجب في العهد والمروءة أن يكون كذا وكذا, وأما على ما ذكره فخر الإسلام رحمه الله تعالى من أن المراد بالذمة في الشرع نفس, ورقبة لها ذمة وعهد فمعناه أنه, وجب على نفسه باعتبار كونها محلا لذلك العهد فالرقبة تفسير للنفس, والعهد تفسير للذمة, وهذا عند التحقيق من تسمية المحل باسم الحال, والمقصود واضح.
قوله:"قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ} "ذهب كثير من المفسرين إلى أنه تمثيل والمراد نصب الأدلة الدالة على الربوبية والوحدانية المميزة بين الضلال, والهدى وكذا قوله تعالى: