الأكبر قياسًا آخر تحدث عنه الناس كثيرًا في أوساط المجدّدين. ذلك أن الإمام الأكبر نبَّه، كما قدمنا، إلى وجود قياس آخر هو قياس الأجناس المُحدَثَة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن الشارع. ثم قال، بعد ذكر هذا الصنف الرابع: أليس هو الأولى والأجدر بالاعتبار من قياس جزئيات المصالح عامها وخاصها بعضها على بعض.
ورغم أهمية القياس، واتفاق الجمهور على اعتماده نجد الفقهاء والأصوليين مختلفين في جريان القياس. فأجاز الجمهور القياس في الحدود والكفارات، والمقدرات، والرخص. وهذا قول المحققين. وأجاز الجمهور القياس في العادات والخلقيات إلا فيما كان طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل النفاس وأكثره فإنه لا يجوز إثباته بالقياس؛ لأن أسبابها غير معلومة لا قطعًا ولا ظاهرًا. فوجب - كما قال أبو إسحاق الشيرازي - الرجوع فيها إلى القول الصادق [1] . وعلّل الإسنوي عدم جريان القياس فيها بسبب اختلاف الأشخاص والأزمنة والأمزجة. وكذلك منعوا جريان القياس فيما طريقه الرواية والسماع كقِران النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإفراده، ودخوله مكة صلحًا أو عنوة. ومنعوا من التعبّد بالقياس في كل أحكام الشرع. واعتبروا ذلك محالًا؛ لأن القياس لا يصحّ إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل، ولكن أحكام الأصول شرعية [2] .
(1) الرازي. المحصول: (1) 2/ 477.
(2) الرازي. المحصول: 2/ 479؛ نهاية السول: 3/ 36؛ السبكي. الإبهاج: 3/ 26.