قضى الإمام الأكبر مدّة طويلة بجامع الزيتونة طالبًا وأستاذًا وداعيًا من دعاة إصلاح التعليم، فشيخًا مديرًا لهذا المعهد. وعيّن عضوًا حاكمًا بالمجلس المختلط العقاري، ثم قاضيًا، فمفتيًا، فشيخ إسلام رئيسًا لأعضاء المجلس الشرعي من كبار فقهاء المالكية بالديوان (المحكمة الشرعية العليا بتونس) . فأهّله هذا دون شك، بما أحاط به من علم، وعُرف به من اتساع مدارك، وما فطر عليه من ذكاء، ودأب عليه من نظر وبحث، وما وقف عليه من آراء وأنظار وأصول ومقاصد، وما حصل له من مشاكل وتوفّر له من تجارب، إلى الظهور على أقرانه في مختلف الميادين الفكرية والعلمية التطبيقية، وفي مجالات أصول الفقه والفقه والفتوى.
كان يسلك طريقين إلى الاجتهاد في الفقه:
أحدهما: مسلك الأصوليين وأصحاب القواعد.
وثانيهما: مسلك أصحاب المقاصد يستنبط الأحكام لكلّ المستجدّات من المصدرين الأساسيين الكتاب والسنة، ويعتمد في تحقيق مناطها وضبطها القياسَ والاستحسانَ والعرفَ ومراعاةَ المصالح، جاريًا في ذلك على وفق أصول الشريعة التي حدّدها الأئمة الفقهاء في كلّ مذهب، كاشفًا عن سَنَن الرشاد، غير معسّر ولا منفّر، ولا دافع بالناس إلى المشاقّة في الدين، أو إلى المخالفة