بتأخيره لمنافاة ذلك للاهتمام به، وثانيًا لأن الاهتمام به تأتَّى باعتَبار الاهتمام بتقديمه على ذكر اسم الله، اعتدادًا بأهمية الحمد العارضة في المقام، وإن كان ذكر الله في نفسه أهم.
والثالث: جريان العرب في أسلوبها، وعلماء البلاغة في تقريراتهم وتعليلاتهم، على تقديم الأهمية العارضة على الأهمية الأصلية، لأنها أمر يقتضيه المقام والحال، والآخر يقتضيه الواقع، ولأن ما كان الاهتمام به لعارض هو المحتاج للتنبيه على عارضه، إذ قد يخفى، بخلاف الأمر المعروف المقرر، فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا يُفيته التنبيه على غيره.
وقد عقّب هذا التقرير بأن واقع الجملة لا يساعده عليه. وإلا فكيف يصحّ أن يكون تقديم الحمد، وهو مبتدأ، مؤذنًا بالاهتمام مع أنه الأصل، وشأن التقديم المفيد للاهتمام هو تقديم ما حَقّه التأخير. والجواب عن هذا أن معنى تقديمه هو قصد المتكلم للإتيان به مقدَّمًا مع إمكان الإتيان به مؤخرًا، إذ قد ورد الوجهان {الْحَمْدُ لِلَّهِ} كما في الفاتحة، و {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ} كما في الجاثية [1] .
قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [2] .
جاء في التحرير والتنوير تفسير المستقيم بالحق البيّن الذي لا تخلطه شبهة الباطل. فهو كالطريق الذي لا تتخلله ثنيات. ولبيان
(1) الجاثية: 36؛ محمد الطاهر ابن عاشور. التحرير والتنوير: 1/ 1، 158 - 159.
(2) الفاتحة: 6.