فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 1856

والملاحظ هنا أن التعليم في الجامع كان تعليم كتب أكثر منه تعليم فنون ومواد. ولعلهم ميَّزوا لذلك بين سني الدراسة لا بالعدد، ولكن بذكر أسماء كتب العربية التي كانت تدرس بالمعهد، فقالوا: سيدي خالد يريدون السنة الأولى، وعنونوا بالقطر للسنة الثانية، وبالمكودي للسنة الثالثة، وهكذا دواليك. وما من شك في أنهم كانوا على طريقة المتقدمين في المنهج والأسلوب. يؤثرون الحفظ والرواية في أولى سني الدراسة، فيلزمون الطلاب بالاستظهار لكونه زينة العالم، ولما فيه من قدرة على الإلمام بالمسائل، وعلى الاحتفاظ بقواعد وقوانين العلوم، كما وجّه إلى ذلك الشيخ الرئيس ابن سينا أخاه في أرجوزته المنطقية حين قال:

فيا عليّ اجعلْه ظهرَ القلب ... حتى إذا بلغت سنّ اللُبِّ

عقلتَ، فاستظهرت منه عقلًا ... وصرت للخير الكثير أهلًا [1]

وما من شك في كون هذه الطريقة لا تصلح في مراتب الدراسة كلها، لأن الطالب يحتاج معها إلى توفر ملكتي الفهم والنقد لتتفتَّق مواهبه وتتَّسع مداركه.

لم تكن ساعات مزاولة الدروس بالجامع خاضعة لضوابط إدارية أو لنظام معين يطبَّق على كل الشيوخ والمدرسين. ولكنها في الغالب تقرر وفق المصالح الشخصية للشيوخ والطلبة. فيقع تحديدها والاتفاق عليها فيما بينهم، أو يكون تعيينها على أساس ما يتوفر لهؤلاء وأولئك من فراغ وإمكانات. ومن ثم فإن ساعات التدريس لا تكون

(1) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت