لم يبق للشك مجال يخالج به نفسَ الناظر في أن أهم مقصد للشريعة من التشريع انتظامُ أمر الأمة، وجلبُ الصالح إليها، ودفعُ الضر والفساد عنها. وقد استشعر الفقهاء في الدين كلُّهم هذا المعنى في خصوص صلاح الأفراد. ولم يتطرّقوا إلى بيانه وإثباته في صلاح المجموع العام. ولكنهم لا ينكر أحد منهم أنه إذا كان صلاحُ حال الأفراد، وانتظامُ أمورهم مقصد الشريعة، فإن صلاح أحوال المجموع وانتظامُ أمر الجامعة أسمى وأعظم. وهل يُقصد إصلاحُ البعض إلَّا لأجل إصلاح الكل؟ بل وهل يتركَّب من الأجزاء الصالحة إلا مركَّب صالح؟! وهل ينبت الخطيَّ إلا وشيجُه [1] ؟! وبذلك فلو فرض أن الصلاح الفردي قد يحصل منه عند إلاجتماع فساد، فإنّ ذلك الصلاح يذهب أدراجًا، ويكون كما لو هبت الرياح فأطفأت سراجًا.
وقد امتنّ الله على المسلمين وغيرهم من الأمم الصالحة بما
(1) تمام البيت:
وتُغْرَسُ، إلا في منابتها، النخلُ
هذا الشاهد نهاية قصيدة لزهير ذات واحد وأربعين بيتًا. قالها في مدح سنان بن أبي حارثة المري. وطالعها:
صحا القلب عن سلمى، وقد كان لا يسلو ... وأقفر عن سلمى التَعانيقُ فالثَّقل
ديوان زهير: 51 - 55.