واقتضى النظر الشرعي، في مثل هذه المعاملات، تصرّفًا حرًا لرب المال في ماله: يوصى بالمقدار المحدّد منه لمن شاء حسب اختياره وغيرَ مضار. وقد جاءت السُّنة النبولهة الشريفة بمراعاة الحقّين. فأبقت حقّ الوصية محترمًا يعود فيه الأمر إلى رب المال، فلا يبذله لوارث، وجعلت حق القرابة محترمًا أيضًا فلم تأذن في الوصيّة بأكثر من الثلث.
وفي هذه الخلاصة جمع بين الأدلة من الكتاب والسُّنة، ومناقشة لبعض الأدلة الأخرى، وتحليل للأحكام الشرعية المتعلّقة بالوصية والمفصِّلة لمقاصدها وأهدافها التشريعية.
روى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار". قال مالك: وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به [1] .
وهذا الحديث من أكثر أحاديث أبواب المعاملات دورانًا على الألسنة. أشبعه العلماء بحثًا، وتداولوه نظرًا وتفقّهًا. وهو ليس بحاجة إلى الدرس أو البحث لولا المراد منه عند المالكية قد خَفِي. وبخاصة مقالة الإمام مالك فيه: ليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به.
وهذه الجملة آذنت بأن في الأمر اختلافًا في الفهم، وأن قول الإمام مالك"عندنا"فيه تنظير، بل مقابلة لما عليه الأمر عند غيره ممّن حمل معنى الافتراق على المراد منه. وقد أشكل هذا. ومن ثَمّ
(1) طَ: 31 كتاب البيوع، 38 باب بيع الخيار: 2/ 671، 79؛ الكشف: 280.