تعلّق غرض الشيخ ابن عاشور بالكشف عن المراد بالافتراق فردّه إلى ما قاله الفقهاء بشأنه.
وفيه عند طائفة إثبات حق الخيار لكل من المتعاقدين في المجلس. وقال آخرون: لا يمكن أن يقال بهذا الخيار ومحلّه المجلس، والمجلس غير واضح ولا منضبط.
وإلى تأييد الوجه الثاني ذهب القاضي ابن العربي مصرّحًا بعدم صحّة الخيار. قال في شرح القَبَس: إن المجلس المشار إليه مجهول المدة. ولو شَرَط الخيار مدّة مجهولة لبطل إجماعًا. وحجّته في ذلك أن ثبوت الحكم بالشرع لا يتم إذا كان شرطه غير جائز شرعًا.
وذهبت طائفة ثانية من المالكية إلى أن الإمام أخذ بعمل أهل المدينة. وردّ عليه القاضي أشنعَ ردّ، متّهمًا أصحاب هذا الرأي بقصور الفهم، وبأن تفسير مقالة الإمام إنما هي ما كشف عنه هو، وبرهن عليه.
والذي يفسّر كلام القاضي هذا أن الحديث رواه ابن عمر وحكيم بن حزام فيما تعمّ به البلوى. وأن الناس قد حملوه محملًا غير بيّن لأن المجلس المذكور في الحديث غير بيّن. وهكذا دفع الشيخ ابن عاشور مقولة هؤلاء قائلًا: إن شأن التشريع في الحقوق أن يكون مضبوطًا. وبدون انضباطه لا يتمكن المُتَعامِلُون من المطالبة بالحقوق، ولا يتسنّى للقضاة فصل القضاء. وهذا من باب نقض أدلة الخصم، إبقاءً على الوجه الذي يرتضيه شرعًا في مثل هذه القضايا [1] . ومضيًا في ذلك، وتأكيدًا له قال: إن الحديث محل النظر ورد مجملًا، لا يصحبه ما يبيّنه من عمل. ولذلك علّل الإمام مالك عدم الأخذ به بقوله:"ولا أمر معمول به". والأدلة المجملة لا تكون أدلّة تفقّه،
(1) كشف المغطى: 280 - 281.