لما أراد مبدع الكون بقاء أنواع المخلوقات جعل من نظام كونها ناموس التولد. وجعل من ذلك الناموس داعية جبلية تدفع أفراد النوع إلى تحصيله بدائع من أنفسها غير محتاج إلى حدوٍ إليه أو إكراه عليه، ليكون تحصيل ذلك الناموس مضمونًا، وإن اختلفت الأزمان والأحوال. وتلك الداعية هي داعية ميل ذكور النوع إلى إناثه.
وقد ميّز الله تعالى نوع الإنسان بالاهتداء إلى الفضائل والكرامات واستخلاصها من بين سائر ما يحفُّ بها من شريف الخصال ورذيل الفعال. وجعل له العقل الذي يعتبر الأعمالَ باعتبار غاياتها ومقارناتها، وأخذه منها لبابها كيفما اتفق. فبينما كان قضاء شهوة الذكور مع الإناث اندفاعًا طبيعيًا محضًا لم يلبث الإنسان منذ النشأة الموفقة أن اعتبر ببواعثه وغاياته ومقارنتها، فرأى في مجموع ذلك حبًا وودًا ولطفًا ورحمة وتعاونًا وتناسلًا واتحادًا وإقامةً لنظام العائلة ثم لنظام القبيلة ثم الأمة. وفي خلال تلك المعاني كلها معان كثيرة من الخير والصلاح والعلم والحضارة. فألهم إلى أن تلك الداعية ليست هي بالنسبة إلى نوعه كحالها بالنسبة إلى بقية أنواع الحيوان الذي لا يفقه منها غير اندفاع الشهوة. وعَلِم أن مراد خالقه من إبداعها في نوعه مراد أعلى وأسمى من المراد في إيداعها في الأنواع الأخرى. فأخذ الإنسانُ بإرشاد هداته وإعانة امتثاله يكسو هاته الداعية إهابًا غير الإهاب الذي برزت فيه بادئ بدء الخلقة. فإن