خطأ النظر. وإننا متى اقتصرنا في مناهجنا على ما أسسه لنا الأسلاف، ووقفنا عند ما حدّدوه رجعنا القهقرى في العلم والتعليم. أما إذا جعلنا أصولهم أسسًا نرتقي بالبناء عليها، فإنا نستكمل ما فاتهم ونستدركه عليهم، وإن لم نحظَ بما فاتنا من علومهم ولو قليلًا.
رابعًا: سيطرة التقليد في العلم وهو ما نعاه الغزالي والباقلاني وغيرهما على كثير من العلماء والمؤلفين. ولا ننسى أن هذا المسلك أضرَّ بالعلوم الإسلامية. ومن ملاحظات الإمام الأكبر على هذا قوله:"وقد وجدت أن التقليد في العلوم هو الذي ينشىء الإعجاب لعالميها بما علموا، لأنهم ما قُلِّدوا حتى غالطوا أنفسهم، وظنوا أن ما علموه منزّه عن الطعن والخطأ. فأصبحت مناظرتهم وانصياعهم عما علموا شيئًا عسيرًا". ثم قال:"والبؤس العظيم للأمة إذا تداخلت العوائد والعلوم، ومُوّهت بعض العوائد الضالة بطلاء الدين والأصول".
خامسًا: سوء التفاهم، وبلوغ الخلافيات بينهم مبلغًا مشينًا، جرّدهم من الموضوعية، ودعاهم إلى التنابز وإشاعة التشنيع والسباب بينهم، فترتب على ذلك كله انقسامهم إلى فئات وشيع. ولو اتبعوا الحق وابتعدوا عن المكابرة في العلم لما نجم بينهم خلاف ابتداءً، إذ العقلاء يشتركون في صفة تَسُوقُهم رأسًا إلى الحق وحده. ومثل هذا الخلاف بنتائجه ظهر بين المعتزلة والأشعرية في مسائل منها: صفات المعاني، وقدرة العبد، والحُسن والقبح.
أما الأسباب المؤدية إلى جمود التآليف أو تأخّرها فقد فصّلها الشيخ ابن عاشور في كتابه أليس الصبح بقريب [1] ، وذلك بإثر عرضه
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: 159 - 173.