وفي التعليق على هذه النظرة يقول صاحب المقاصد:"إن لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية كلها مشتملة على مقاصد الشارع؛ وهي حِكَم ومصالح ومنافع راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد. ولذلك كان الواجب على علمائها تعرُّفُ علل التشريع ومقاصده ظاهرِها وخفِيّها. فإن بعض الحكم قد يكون خفيًا، وإن أفهام الفقهاء متفاوتة في التفطّن لها، فإذا أعوز العلماء في بعض العصور الإطلاع على شيء منها؛ فإن ذلك قد لا يعوز مَن بعدهم، فإن هم فعلوا ذلك فاستمر عوز الكشف عن مراد الشارع وجب عليهم ألا يتجاوزوا المقدار المأثور عن الشارع في ذلك الحُكم، ولا يفرّعوا على صورته، ولا يقيسوا فلا ينتزعوا منه وصفًا ولا ضابطًا ... وإذا جاز أن نثبت أحكامًا تعبدية لا علّة لها، ولا يُطّلع على علّتها فإنما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية. فأما هذان فلا أرى أن يكون فيها تعبدي، وعلى الفقيه استنباط العلل فيها [1] ."
ورد في كتاب الموافقات حديث طويل عن أدلة أصول الفقه التي وصفها من قبل أبو الحسين البصري بالقطعيّة. وجرى على إثره في ذلك إمام الحرمين عبد الملك الجويني حين ذكر ما هو ظنيّ في أصول الفقه مع إيقانه بقطعيّة الأدلة. وحمله ذلك على الاعتذار عن صنيعه هذا. وهو وإن لزم موقفه وتبعه عليه الأبياري والشاطبي؛ فقد اعترض الشيخ ابن عاشور على موقفهم وأبطل أدلتهم [2] .
(1) المقاصد: 159.
(2) المقاصد: 17 - 18، 20 - 22، 29، 234.