وكل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية كما نبه على ذلك القرافي في الفرق الثالث والعشرين بعد المائتين، لا يحل له أن يتصرّف إلا لجلب مصلحة أو درء مفسدة. فيكون الأئمة والولاة معزولين عما ليس بأحسن. والمرجوح أبدًا ليس بأحسن، وليس الأخذ به بذلًا للاجتهاد [1] . وأصل هذه القاعدة قول الله - عز وجل: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [2] . وهي تستهدف مقصدًا ساميًا هو التمكن من رعاية المجتمع بتنقيته من الشوائب الضارة به، ونشر الحق والعدل فيه. ومن أجل هذا عاد الشيخ ابن عاشور يذكّر بواجبات هيئة القضاء وبدور القاضي قائلًا: إن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغه الحقوق إلى طالبيها. وذلك يعتمد أمورًا عديدة منها أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ الغير عليه، والعدالة.
ومن لوازم أصالة الرأي العقل، والتكليف، والفطنة، وسلامة الحواس.
والعلم، هو العلم بالأحكام الشرعية التي يجري بها القضاء فيما ولي عليه القاضي من نوازل. ومن اجتمع فيه من القضاة خصلتان: العلم والورع، تعيّن أن يكون أمثل العلماء الصالحين، وبمقدار قوة علمه يزداد ترجّحه [3] .
وسلامة القاضي من نفوذ غيره عليه شرطٌ لتحقّق حريته وقدرته على الوفاء بما يقتضيه استقلال القضاء، وهو ما يعرف في المصطلح المعاصر بمبدأ تفريق السلط. وفي هذا قال أشهب: إن من واجبات القاضي أن يكون مستخفًا بتوسّطات الولاة في النوازل، وشفاعتهم
(1) الفروق: 4/ 39.
(2) سورة الأنعام، الآية: 152.
(3) المقاصد: 522 - 523.