وجسّ بأنامل الألمعية نوابض البدو والحضر، واستشرف على استشراء الممالك الأوروبية وتغطرفها، واستئسادها وتصلّفها، بما فَوَّفته من أبراد الحضارة، وما أورفته من ظلال العمارة [1] .
وقد ذيل لهذا التقريظ النفيس بقصيدته التي طالعها:
صبح بدا من رأى خير الدين ... أغنى العيان له عن التبيين
وهي طويلة. ومن آخرها:
فلكٌ يدير زواهرَ الحِكَم التي ... هي هديُ مُختبط ورَجم ظَنين
طلعت به شمس الهدى من مشرق الـ ... ـخضراء في ربع الملا المسكون
تهدي الورى للأقوم الأَمَم الذي ... أدنى من الطلبات كلَّ شَطون
فليهتدوا، وليحمدوا، ويؤرخوا ... صبْحًا بدا من رأي خير الدين
فبمثل هذه الأفكار والأشعار طبع الكاتب الأديب والشاعر المبدع قابادو جيلًا كاملًا من المثقفين، عاش عصره أو تخرّج عليه، من روّاد المدرسة الحربية التي أرادها مؤسسُها المشير الأول أحمد باي أن تَسُدّ عوزًا، أو تُحدث تطورًا ومنهجًا، ومن طلبة الجامع الأعظم جامع الزيتونة الواعين بأحكام الشرع والدين، والملتزمين بمنهج الأئمة السابقين، داعيًا هؤلاء وأولئك إلى الأخذ بأسباب القوة، والتطلُّع إلى موجبات المنعة والعزّة. فدعوته إلى التنظيمات متبعًا بذلك سنن شيخه شيخ الإسلام عارف بك، واطلاعه على آثار معاصره رفاعة رافع الطهطاوي المصري مثل تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ومناهج
(1) المنصف الشنوفي. أقوم المسالك لخير الدين. تقديم وتحقيق: (2) 2/ 935.
(2) نفس المرجع: (2) 2/ 942.