بالمعاني, ووقفوا عند الظواهر فلم يجتازوها. ولذلك ترى حِجاجَهم وجدَلَهم لا يعدو الاحتجاجَ بألفاظ الآثار وأفعال الرسول وأصحابه. ويتجلّى ذلك واضحًا إذا طالعت كتاب"الإعراب عن الحيرة والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس" [1] لابن حزم. فقد كان هذا الأصل محورَ مناظراته مع أصحاب القياس.
على أن أهل الظاهر يقعون بذلك في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يُروَ فيه عن الشارع حكم من حوادث الزمان. وهو موقف خطير يُخشى على المُتردّي فيه أن يكون نافيًا عن شريعة الإسلام صلاحَها لجميع العصور والأقطار.
ورحم الله أبا بكر بن العربي [2] ، إذ قال في كتاب العارضة - عند الكلام على حديث افتراق الأمة، وذَكَر مذهب الظاهرية، فأنشد فيهم أبياتًا، منها قوله:
قالوا: الظواهرُ أصل لا يجوز لنا ... عنها العدولُ إلى رأي ولا نظر
إن الظواهر معدودٌ مواقعُها ... فكيف تحصي بيانَ الحكم في البشر [3] !
ولذلك كان واجب الفقيه عند تحقق أن الحكم تعبّدي أن يحافظ على صورته، وأن لا يزيد في تعبديتها، كما لا يُضيع أصل التعبدية.
(1) توجد من هذا الكتاب قطعة في مجموع بالعاشورية: 1599، ولم تذكره فهرسات الكتب المشهورة. وطبع في الستينات بدمشق تلخيص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل - بتحقيق سعيد الأفغاني - وليس هو. وقد أشار المحقق إلى الأصل في الخزانة العاشورية.
(2) تأتي ترجمته: 367/ 1، تبعًا لما جرى عليه المؤلف.
(3) البيتان هما الأول والرابع من قصيدة لابن العربي يرد فيها على أهل الظاهر. انظر آخر أبواب الإيمان. عارضة الأحوذي: 10/ 112.