وقد تتردّد معان بين كونها صلاحًا تارة وفسادًا أخرى، أي بأن اختلّ منها وصفُ الاطراد. فهذه لا تصلح لاعتبارها مقاصدَ شرعية على الإطلاق، ولا لعدم اعتبارها كذلك، بل المقصد الشرعي فيها أن توكَلَ إلى نظر علماء الأمة وولاة أمورها الأمناء على مصالحها من أهل الحل والعقد، ليعينوا لها الوصف الجدير بالاعتبار في أحد الأحوال دون غيره. وذلك مثل القتال والمجالدة. فقد يكون ضرًا إذا كان لشق عصا الأمة، وقد يكون نفعًا إذا كان للذب عن الحوزة ودفع العدو.
ألا ترى أن الله تعالى قال: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا} [1] الآية، فجعل قتالهم وهو الحرابة موجبًا للعقاب لأنها فساد. وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [2] ، فأعلمنا أن هذا التقاتل ضر. فلذلك أمر البقية بالإصلاح بينهما لتنهية القتال. ثم قال تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا (أي الطائفتين) عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [3] ، فأمر بإيقاع قتالٍ للإصلاح. وقال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في آيات كثيرة [4] .
= العيوب الموجبة للرد لا بمعنى الحسب والنسب، وكالحرية على الأوجَه. وإليه ذهب المغيرة وسحنون. ولا تشترط فيها المساواة والمماثلة فيما دون الثلاثة. فمتى ساوى الرجل المرأة في هذه الثلاثة كان كفؤًا. الدردير. الشرح الصغير: 2/ 399 - 401.
(1) المائدة: 33.
(2) الحجرات: 9.
(3) الحجرات: 9.
(4) {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} البقرة: 190، {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} البقرة: 244، {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} ، آل عمران: 167.