فهذا شخص نادر، إن كان صادقًا فيما زعمه. فلا يؤثر مِثلُه نقضًا لكلية الحكم الشرعي.
ومما يصلح مثالًا للاجتزاء عن الوصف بغيره في صورة الضُّر تجارةُ المسلم في الخمر مع غير المسلمين، فإنَّ ما يُتوقع في شرب الخمر من المفاسد حاصل من الكافر والمسلم سواء، لارتفاع الوازع باختلال العقل. لكنْ يخلُفُ ما فيها من الضُّر في هذه الحالة شيءٌ قد يكون مسيغًا للتسامح في الإذن بالتجارة فيها مع الكفار. وهو: أن الضر الذي يصدر من الكافر لا يعدو قومَه وأهلَ مَحلته أو بلده غالبًا. فالمسلمون في أمن من إضرار أهل الكفر، ويُضم إليه أن المسلمين غير مطالبين بحمل أهل الذمة على ترك ما تبيحه لهم ملَّتُهم. فبهذا قد يُعتبر الضر في التجارة بالخمر مع الكفار أضعفَ من النفع الحاصل للمسلمين بأرباح تجارة الخمر. فجانب ما في التجارة بها معهم من النفع قد يُرجَّحُ على جانب المفاسد اللاحقة لهم، أو يرجّح على ذريعة أن يتناولها المسلمون في حانات أهل الذمة أو في ديارهم. فإذا تكاثر تردد المسلمين على حاناتهم أَمْكنَ تحجير التجارة في الخمر تحجيرًا خاصًا ببعض الأوقات أو بعض الجهات بحسب فُشُوِّ ذلك.
الرابع أن يكون أحد الأمرين من النفع أو الضر مع كونه مساويًا لضده معضودًا بمرجِّح من جنسه، مثل تغريم الذي يُتلف مالًا عمدًا قيمة ما أتلفه. فإن في ذلك التغريم نفعًا للمتلَف عليه، وفيه ضررٌ للمتلِف، وهما متساويان. ولكن النفع قد رجّح بما عضَّده من العدل والإنصاف الذي يشهد أهل العقول والحكماء بأحَقِيَّتِه.
الخامس أن يكون أحدهما منضبطًا محقَّقًا والآخر مضطربًا.