-ومجمعٌ على سدّه، كحفر الآبار في طريق المارة دون سياج.
-ومختلف فيه، مثل بيوع الآجال [1] .
ولم يبحث عن وجوب الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض. وما هو عندي إلَّا التوازنُ بين ما في الفعل - الذي هو ذريعةٌ - من المصلحة وما في مآله من المفسدة، فترجع إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد. وقد قدمناها في مبحث المقصد العام من التشريع [2] . فما وقع منعُه من الذرائع قد عظم فيه فساد مآله على صلاح أصله، مثل حفر الآبار في الطرقات. وما لم يقع منه قد غَلَب صلاح أصله على فساد مآله كزراعة العنب، على أن في احتياج الأمة إلى تلك الذريعة بقطع النظر عن مآلها، وفي إمكان حصول مآلها بوسيلة أخرى، وعدم إمكانه، أثرًا قويًا في سدّ بعض الذرائع وعدم سد بعضها. ولا يظنّ أن المراد باحتياج الأمة إلى الذريعة اضطرارُها إلى وجودها، بل المراد به أنه لو أبطل ذلك الفعل الذي هو ذريعة لحق جمهورًا من الناس حرجٌ. فإن العنب تستطيع الأمة أن تستغني عنه إلا أن في تكليفها ذلك حرمانًا لا يناسب سماحة الشريعة. فكانت إباحة زراعة العنب بهذا الاعتبار أرجحَ مما تؤول إليه من اعتصار نتائجها خمرًا، بخلاف التجاور في البيوت فإنه لو مُنع لكان منعه حرجًا عظيمًا يقرب مما لا يطاق. فهو حاجي قوي للأمة، على أن ما يؤول إليه من الزنا مثال بعيد، وإن كانت مفسدته أشدَّ من تناول الخمر.
فمقصد سد الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء
(1) القرافي. الفرق 194 بين قاعدة ما يسدّ من الذرائع وقاعدة ما لا يسدّ منها. الفروق: 3/ 266؛ وانظر 2/ 32.
(2) تقدم: 243 - 255.