هو في جبلة النفوس من الشُحَّ بالمال، فجعلت لحالة المال حكمين أحدهما حكمه في مدة حياة صاحبه، والثاني حكمُه بعد موت صاحبه.
فأما في الأول فأباحت لمالك المال في مدة حياة تصرّفَه فيه واختصاصَه به حثًا للنّاس على السعي في الاكتساب لتوفير ثروة الأمة وإبعاد المُفشلات عنها، فلم تجعل عليه في مدة حياة مكتسِبِه إلَّا حق الله فيه وهو الزكاة على اختلاف أحوالها، وتخميس المغانم.
والثاني حكمُه بعد موت مكتسبه. وفي هذه الحالة نفذت الشريعة مقصدَها من توزيع الثروة تنفيذًا لطيفًا, لأن مكتسب المال قد قضى منه رغبتَه في حياته، فصار تعلق نفسه مسألة بعد وفاته تعلقًا ضعيفًا إلا إذا كان على وجه الفضول. فعلمُ المكتسب باقتسام ماله بعد موته لا يثبّطه عن السعي والكد في تنميته مدة حياته، فشرع الإِسلام قسمة المال بعد وفاة مكتسبه. وقد كانوا في الجاهليّة يوصون بأموالهم لأحب الناس إليهم أو أشهرهم في قومهم تقربًا إليهم، وافتخارًا بهم، فأبطل الإِسلام ذلك. فأوجب الوصيَّة للأقارب بآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [1] . ثم نسخ بشرع المواريث المبيَّن في القرآن والسنّة، ولم يُجعل لصاحب المال حقٌّ في صرفه بعد موته إلا في ثلث ماله أن يوصي به لغير وارث [2] ، فتمّ مقصد التوزيع بحكمة، وهي جعل المال صائرًا إلى قرابة صاحبه لأن ذلك مما لا تشمئز منه نفسه، ولأن فيه عونًا على حفظ المال في دائرة
(1) البقرة: 180.
(2) تقدم: 136/ 3، 454/ 2.