والإغناء وإقامة المصالح المهمة الكائنة في الغالب بأموال يتنافس في مثلها المتنافسون، ويتشاكس في الاختصاص بها المتشاكسون.
فالصدقة والهبة والعارية قد تكون من الشقّ الأول داخلة في عداد النفقات، وقد تكون من الشقّ الثاني إذا كان المتبرع به ريعًا أو عقارًا أو مالًا عظيمًا. والحبس والعمرى والوصية والعتق لا تقع إلا في الشقّ الثاني، فتكون غنى وتمليكًا سواء كانت لأشخاص معينين أم لأصحاب أوصاف مقصودة بالنفع أو مصالح عامة للأمة. كما يعطى لطلبة العلم والفقراء وأهل الخير والعبادة وإقامة الحصون وسدّ الثغور وتجهيز الجيوش ومداواة المرضى. فهذه تبتدئ ابتداء شبيهًا بالقربات، يدفع المرءَ إليها حبُّه الخير وسخاء نفسه بالفضل، ثم هو يعزم عزمه ويُلزم نفسَه فتصير تلك القرباتُ إلى انتقال حق المتبرع بها إلى المتبرع عليه، فتأخذ حكم الحقوق التي يتشاحُّ الناسُ في اقتنائها وانتزاعها وفي استبقائها ومنعها. فربّما عرضت ندامة المتبرّع أو كراهة وارثه أو حاجره، وربما أفرط المتبرع عليه في تجاوز حدّ ما خُوّل له. فكانت بسبب هذا العارض الكثير التطرق إليها جديرة بتسليط قواعد الحقوق ومقاصد التشريع عليها. وقد نجد في استقراء الأدلة الشرعية منبعًا ليس بقليل يرشدنا إلى مقاصد الشريعة من عقود التبرعات.
المقصد الأول: التكثير منها لما فيها من المصالح العامة والخاصة. وإذ قد كان شحّ النفوس حائلًا دون تحصيل كثير منها، دلّت أدلة الشريعة على الترغيب فيها، فجعلت من العمل غير المنقطع ثوابه بعد الموت. ففي الحديث الصحيح:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ..." [1] إلخ.
(1) هو حديث أبي هريرة ونصه كاملًا:"إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا ="