لا يتكلّفها، ويأتي بها عفوًا، أو يعدّ لها أدنى إعداد في أوّل الأمر، حتى تصبح له عادة. ولا يقدر عليها أو يتمكّن منها إلا من رُزق فصاحة اللسان وقوّة الفكر، وتمرّس بالألفاظ العلمية والأساليب العربية. ومن ليس هذا شأنه من المدرسين لجأ أولًا إلى التملّي من أقوال المؤلفين، ونقل عباراتهم لئلا يكون درسه مختلًا، ويضيع وقته في القشر دون اللباب.
وهذا العناء والتكلّف يحمل المدرس في هذه الحالة على تحاشي تلقي الأسئلة من التلاميذ كي لا يتشتّت عليه ما أعدّه من ترتيب لمسائل الدرس. وهو، لعدم ضلاعته وضعفه، يسرع إلى تعطيل الدرس متى ألهاه شاغل أو انحراف مزاج في ليلته، حيث لم يطالع الدرس بما يكون له تمام الإعداد. وهذا واقع مشاهد عند كثير من المدرّسين قديمًا وحديثًا.
والدروس بالجامع لم تكن أسعد حالًا ولا أكثر حظًا في العناية بها والإقبال عليها. وموادها في القانون الصادقي: 12 فنًا في المرتبة الابتدائية، 21 في المتوسطة، 15 في العليا [1] .
يذكر الشيخ ابن عاشور أن سبعة فنون منها كانت قد احتجبت مدّةً لم تدرس فيها وهي: التصوّف، والتاريخ، والرسم التوقيفي، والعروض، والهندسة، والهيئة، والمساحة.
وكان يقلّ تدريس اللغة والأدب، وآداب البحث والميقات والحساب إلا أن يكون حسابَ الفرائض.
ولم تكن الكتب المذكورة لكل فن تُدَرَّسُ كلُّها. ويلاحظ هذا
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: 156.