أهليها إلى الشعور بوحدة العالم الإسلامي وعظمته، والوقوف على حقائقه الوجودية، وتكوين الاستعداد لدراسة حرّة لا تتأثر بالظروف العارضة ولا بالتيارات الخارجية، وإنما تستوحي سيرها من المعارف التاريخية والجغرافية المستندة إلى الأصول الصحيحة المتمشية مع روح الجامعة الإسلامية الكبرى [1] .
وهكذا اختلف الوضع، وبرزت النتائج، وانعكست آثار ذلك على الروح الشعبية. وتعاظمت همّة الأسرة الزيتونية من مشيختها وأساتذتها وطلابها تشاطرُها الخلدونية اهتماماتها وانتصاراتِها، وتقاسمها مفاخرها وابتهاجاتِها. وسرعان ما استكمل التعليم الزيتوني ببلادنا عناصره الأساسية من تلقين للدين، وإلمام بمصادره، وتعمق في علومه، وغوص على مقاصده، مضيفًا إلى ذلك ما يتأكد الإلمام به من معارف وعلوم ومواد ضرورية تعين على مواكبة العصر، وتفتح الآفاق أمام الخريجين، وتمكّن طلبة الجامع الأعظم من الإسهام في المسيرة الثقافية العلمية إسهامًا يضمن لجامعتهم أن تكون مستقرًا ومركزًا لمقوماتنا الذاتية القومية من جهة، ومجالًا للعناية بالمواد المعروضة لا المفروضة من علوم العصر من أجل بناء المستقبل وإيجاد التوازن ودعم وتوطيد النهضة المباركة في ربوعنا.
وقد توّج هذه الجهود العظيمة والمسيرة القويمة، مؤتمر الثقافة الإسلامية الذي عقدته الخلدونية بتونس في ذي القعدة 1368/ سبتمبر 1949 ودعت إليه من أطراف العالم الإسلامي علماء ومفكرين وكتّابًا ومندوبين عن الجامعات والمنظمات الثقافية الإسلامية [2] ؛ فكان
(1) محمد الفاضل ابن عاشور. الحركة الأدبية: (2) 222.
(2) محمد الفاضل ابن عاشور. الحركة الأدبية: (2) 224 - 225.