دلائل الإعجاز كان قائمًا على دراسة مسائل علم المعاني، وباحثًا أساسًا في وجوه النظم وطرق الإعجاز.
قال عبد القاهر الجرجاني:"وإذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم، موجودةً على حقائقها وعلى الصحّة، وكما ينبغي، في منثور الكلام ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكمُلوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا يختلف بها الحال ... فما هذا الذي تجدّد بالقرآن من عظيم المزيّة، وباهر الفضل، والعجيب من الرصف، حتى أعجز الخلق قاطبة، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القُوى والقُدَر، وقيّد الخواطر والفكر، حتى خرست الشقاشق وعدم نطق الناطق!" [1] .
وهذه الحقيقة الإيمانية والعلمية التي تلمّسنا آثارها في طرق التحدّي بالقرآن، والتي احتاجت من العلماء إلى البحث العميق والدرس الدقيق لفن النظم وللتصرفات القولية عند أئمة البلاغة والنقد، ما كانت لتتمثل في أذهاننا تمثلًا كاملًا، أو تلفت مداركنا إلى عجائبها وروائعها لفتًا دائمًا إلا بطويل المدارسة وعظيم المثافنة. قال الجرجاني:"فإن كان ذلك يلزمنا، فينبغي لكل ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه، ويستقصي التأمل لما أودعناه. فإن علم أنه الطريق إلى البيان، والكشف عن الحجة والبرهان، تبع الحق وأخذ به، وإن رأى له طريقًا غيره أومأَ لنا إليه ودلّنا عليه."
إنّي أقول مقالًا لست أخفيه ... ولستُ أرهب خصمًا إن بدا فيه
ما من سبيل إلى إثبات معجزة ... في النظم إلا بما أصبحتُ أُبديه" (1) "
وإن مثل هذا اليقين الذي ملأ ما بين جوانح صاحب الدلائل لهو
(1) دلائل الإعجاز: 9.