أبدع ابن رشيق حين قال: لا يُعرف شاعرٌ في العربية احتَفَل بنبوغه القدماءُ والمحدثون من العلماء والنقاد حفاوتهم بأبي الطيب. ولا أدلَّ على ذلك ممّا قيل بشأنه في ذكراه الألفية 1935، ومن إحياء منهجه أدبيًا وعمليًا بالشام على يد ناصف اليازجي، وبمصر من طريق البارودي وشوقي.
ويزيد في ذلك اعتدادُ أبي الطيب بنفسه، وعلوُّ همته، وانتشارُ شعره الذي أذاع مفاخره بمثل قوله:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
وقوله:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي، ... إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمِّرًا ... وغنّى به من لا يغنّي مغرِّدا
ولعل اعتداده ذلك بذاته وبأدبه هو الذي حمله على أن يشترط في مجلس سيف الدولة أن لا ينشد إلا قاعدًا، فاستجهلوه وأجابوه إليه. فلما سمع سيف الدولة شعرَه حكم له بالفضل وعدّ ما طلبه استحقاقًا [1] .
ولا نحتاج، بعد هذه العجالة، في التعريف بما كتب عن المتنبي، إلا أن نقف وقفتين قصيرتين تبرزان فرط عناية الإمام الأكبر بشعر المتنبي: أولاهما في الحديث عن بعض شروحه، والأخرى في
= 102/ 3، 110/ 17 وفي بقية الصفحات من الكتاب: 121، 135، 136، 141، 159 - 161، 164، 219، 223، 311، 313، 358، 368. وما ذكره من تعاليق على مجموعة من شواهد أبي الطيب.
(1) الواضح: 10.