التي لأجلها بعث الله بهذا الدين رسولَه محمدًا خاتمًا للرسل، أو عن الآثار التي أبقاها لنفع البشر. وهذا المهم لا يتأتّى إلا لمن أدرك علاقة الدين بالمدنية، وتأثيرَه في ارتقاء الأمة. ويتطلّب هذا المكسب الجليل النظرَ أولًا في تاريخ الأمة وتطلُّعها للدين، وإلى الحال الذي كانت عليه زمن ظهوره، وثانيًا إلقاء نظرة واسعة فاحصة لهيئة مجتمع الأمة المتديّنة بالإسلام في أزهى عصور اتباعها لتعاليمه، ثم التعرُّف إلى ملاك محاسن هذا الدين بمطالعة تاريخ المسلمين في صدر الإسلام وما يليه، والتطلُّع إلى معرفة مقوّماته، وعلى دستوره الذي تنطق به أخلاق أفاضل المسلمين في أجلى مظاهر تفرعها عن المبدأ الإسلامي.
يتناول هذا الكتاب تمهيدًا بيّن فيه مؤلفه حقيقة الدين ومعنى الإسلام، ووجهَ إقامته لأصول النظام الاجتماعي بين الناس.
فالدين اعتقادات وأعمال، على من يرغب في اتباعها أن يلتزم بها رجاءَ حصول الخير له في حياته الأولى الدنيوية وفي حياته الأخروية الأبدية ... وذلك عبارة عن مجموع تعاليم يريد الشارع أن تصير عادة وخُلقًا لطائفة من الناس، تبعث فيهم الفضائل والإحسان لهم ولغيرهم.
والأديان السماوية كلُّها تقصد ممن خوطبوا بها حفظ نظام العالم وصلاح أحوال أهله. فوظيفتها تلقين أتباعها ما فيه صلاحهم ممّا قد تحجبه عنهم مغالبة الميول، وسوء التبصّر في عواقب الأمور.
جاء الإسلام فكان خاتمة الأديان، واتّسم بعالَمية الرسالة، واتسعت أصول دعوته وفروعها، وامتزج فيه الدين بالشريعة، فضبط للأمة أحوال نظامها الاجتماعي في تصاريف الحياة كلها، وألزم،