ومنها التوصّل عن طريق سياق الخطاب إلى الوقوف على العلّة التي قصدها الشارع، والتي يمكن أن تناط بها الأحكام غير المنصوصة.
وقد ذكر الغزالي من هذا القبيل ما آذن به سياق آية الجمعة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} [1] . فالآية ما نُزّلت لبيان أحكام البياعات ما يحل منها وما يحرُم. فالتعرض للبيع لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام يخبط الكلام ويخرجه عن مقصوده، ويصرفه إلى ما ليس مقصودًا به. وإنما يحسن التعرض للبيع إذا كان متعلقًا بالمقصود، وليس يتعلق به إلا من حيث كونه مانعًا للسعي الواجب. وغالب الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع. فإن وقت الجمعة يوافق الخلق وهم منغمسون في المعاملات. فكان ذلك أمرًا مقطوعًا به لا يُتمارى فيه. فعُقل أن النهي عنه لكونه مانعًا من السعي الواجب. فلم يقتض ذلك فسادًا، ويتعدّى التحريم إلى ما عدا البيع من الأعمال والأقوال وكل شاغل عن السعي لفهم العلّة [2] .
ولتحديد الغرض الحقيقي من نصوص الكتاب ومن أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتعين التفريق بين ما هو غير مقصود، أو ما لا يتوَفَّر فيه القصد كالنوم والإغفاء والزلة، أو كونه صادرًا عن الجِبِلّة والطبع. فهذا غير ملزِم ولا يوجب حكمًا. وبين ما هو متضمن لقصد الشارع وهو على قسمين:
(1) سورة الجمعة، الآية: 9.
(2) الغزالي. شفاء الغليل: 51 - 52.