واعلم أنَّ قول الفقهاء: إن الجهاد فرض عين في مثل هذه الأحوال معناه: أن يباشره العبد بنفسه وأن يسعى إليه كما يسعى الى الصلوات الخمس والجمع وغيرها من الواجبات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا تبرأ العهدة بالتحريض عليه فقط، ولا بالافتاء بوجوبه وتعليم مسائله فقط، ولا بإنفاق الأموال وتجهيز الغزاة فقط، ولا بتحديث نفسه بالغزو فقط، ولا بالدعاء للمجاهدين فقط، بل أن يباشر الخروج إليه بنفسه، ويباشر القتال لدفع العدو بنفسه، ويعاود الكرَّة تلو الكرَّة حتى يندحر العدو ويخزى أو يموت وهو مدمن على ذلك، فمن عجز عن شيء من ذلك سقط عنه ما عجز عنه ولزمه ما يقدر عليه، ومتى زال العذر لزمه ما كان ساقطًا عنه للعذر على الفور، فإن كان من أهل بلدة نزل العدو بساحتها فليباشر دفعه في بلده فإنه أولى لقوله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) فإن كان لا يتم ذلك إلا بالهجرة فالهجرة عليه واجبة لنصرة إخوانه من المؤمنين، وللذبِّ عن دينهم وحريمهم، ولا يجوز له التخلف بحجة الانشغال بطلب العلم أو تعليمه أو الدعوة إليه، فما ظنك بمن يتخلف خوفًا على دنيا تضيع من بعده أو تجارة يخشى كسادها أو انقطاع وظيفة أو فوات راتب، فليس شيء من ذلك عذرًا البتَّة، وإنما المعذور من عذره الله تعالى، فليس كل من ذكر عذرا معذورًا في حقيقة الأمر، وإن كان الواجب علينا أن نقبل من الناس علانيتهم ونَكل سرائرهم الى الله تعالى، فلينظر كل امرىء لنفسه، وليعد لسؤال الله تعالى عن ذلك جوابا، نسأل الله تعالى أن يرحم ضعفنا وأن يغفر لنا تقصيرنا وهو حسبنا ونِعم الوكيل.
ومن عجز عن الخروج الى الجهاد ومباشرته بنفسه لعذر قائم في حقه، فليتأهب له وليعد له عدته وليباشر الإعداد بنفسه بالتدرب على أنواع القتال وفنون الحرب وغير ذلك مما يحتاج إليه في الجهاد، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإذا لم يستطع الخروج الى الجهاد والقتال لعذر لم يسقط عنه الإعداد له، والإعداد للجهاد الفرضِ فرض، وعليه مع ذلك ان يتحين الفرصة للخروج متى قدر عليه، فإنه متى فعل ذلك رجوت أن تبرأ عهدته مما كُلف به، وأن يكتب له أجر المجاهدين في سبيل الله وإن مات على فراشه.
وإذا تعين الجهاد فلا إذن فيه لأحد على أحد لا لوالد ولا لأمير ولا شيخ ولا لغريم ولا لزوج، ولا يشترط له شرط، فلا يشترط له وجود إمام ولا الزاد ولا الراحلة، ولا غير ذلك مما يذكر في الباب، لأنه إنما يتعين دفعًا عن الحرمة وذبا عن الشريعة، ومتى تخلى عنه المسلمون لشيء من هذه الأعذار أفضى الى تسلط العدو على الدار فأفسد الدين والدنيا وأهلك الحرث والنسل، فكان إيجاب الجهاد على كل مسلم مكلف قادر والحالة هذه من باب تحصيل أعظم المصلحتين ولو بتفويت أدناهما ودفع أكبر المفسدتين ولو بتحمل أدناهما، والله المستعان.
ومن تعين عليه الجهاد ولم يكن له من المال ما يقوم بنفقة تجهيزه من السلاح والذخيرة وأجرة الطريق ونفقات طعامه وشرابه ونفقات أهله من بعده وجب له في بيت مال المسلمين، فإن لم يكن بيت مال وجب على جماعة المسلمين من عشيرته أو أهل بلده وقريته أن يرتبوا ويجمعوا من المال ما يقوم بحاجته وحاجة المجاهدين وحملة العلم النافرين وغيرهم، ممن يحتاج إليهم كطبيب وصانع ونحوهم، وجميع ما يحتاج إليه في دفع العدو وحماية الثغور، فإن استغرق ذلك جميع أموال الزكاة الواجبة وجب بذلها في هذا الوجه، فإن احتيج الى غيرها وجب على الغني القادر بذله، على ذلك دل الكتاب والسنة وعليه كلمة الأئمة رحمهم الله.
ولا يسقط فرض الجهاد عن المسلمين في بلد حله العدو الصائل بتقادم العهد وطول الزمان، كالأندلس وبخارى وفلسطين وغيرها من بلاد الإسلام، بل إن عجز المسلمون عن دفعه أو تكاسلوا عنه مكانًا أو زمانًا انتقل الوجوب الى من يليهم مكانًا وزمانًا، حتى يعود كل شبر كان تحت سلطان المسلمين في يوم من الأيام الى ما كان عليه، وبالله التوفيق.