فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 308

والجهاد يتعين في مواطن أربعة:

الأول: باستنفار الإمام عامًا كان الاستنفار أو خاصًا، فمن استنفر وجب عليه الخروج وحيث عدم الإمام أو طرأ عليه كفر أو ترك الجهاد أو نهى عنه قام العلماء وجماعة المسلمين مقامه كما في نوازل فقهاء المالكية وغيرهم رحمهم الله.

الثاني: أن يحضر المكلف صف القتال.

الثالث: أن يقصد العدو بلدة من بلاد المسلمين فيتعين على من يليهم دفعه، فإن عجزوا أو تكاسلوا فعلى من يليهم على ما أشرنا إليه من قبل.

الرابع: ويتعين لفكاك الأسرى كما صرح به جماعة من العلماء.

ومن تأمل أحوال المسلمين اليوم علم أن الجهاد فرض عين من الوجوه الأربعة المذكورة:

أما الأول: فإن الذي يقوم مقام الإمام في زماننا هم العلماء العاملون، والأمراء النافرون وقد اجتمعت كلمتهم وتضافرت على وجوب النفير على كل قادر من المسلمين، أما الذين عطلوا أحكام الله وشرعه واتخذوا اليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنين، بل وأعانوهم على حرب الإسلام وأهله، وتتبع المجاهدين وقتلهم فلا ولاية لهم ولا كرامة، بل لو كانوا من أهل الولاية ونهوا عن الجهاد المتعين فلا سمع لهم ولا طاعة: قال ابن رشد: طاعة الإمام لازمة إن كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية، ومن المعصية النهي عن الجهاد المتعين.

وقال ابن حزم رحمه الله: لا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار. (المحلى: 5/ 352)

وأما الثاني: فإن بلاد المسلمين بمنزلة البلدة الواحدة، فإذا ترك العدو دارًا منها فضلًا عن دوركما هو الحال في أيامنا هذه كان المسلم كمن حضر صف القتال، كما قال ابن قدامة في كتاب الجهاد من الكافي رحمه الله، وليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم وعن نصرتهم وترك العدو يستبيح بيضتهم ويعتدي على حرماتهم.

وأما الثالث والرابع فالأمر فيهما واضح والحمد لله رب العالمين.

فهذا الذي ذكرناه هنا خلاصة جامعة لحكم الجهاد في زماننا، وقد بسطنا أدلة المسائل المذكورة في غير هذا الموضع وبالله التوفيق.

واعلم أن من أعظم التحريض على الجهاد في سبيل الله تذكير المؤمن بما أعد الله تعالى للمجاهدين في سبيله من الثواب العظيم والأجر الجزيل، وفي كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يضيق عن العد والحصر، كما قال حافظ المغرب الإمام ابو عمر بن عبد البر رحمه الله، وأعظم ذلك وأجله ثواب الشهداء الذين يبذلون الأرواح والمهج ذبًا عن الشريعة، وصيانة لكرامتها الرفيعة وهم بحمد الله كثيرون في كل زمان ومكان، حتى في زماننا هذا وأحلف بالله العظيم لقد شهدت من مواقف الرجال ومنازل الأبطال ما يقض مضاجع قياصرة الروم، ويؤرق أجفان من يحاول كيدًا للإسلام أو يروم، فمنهم من قضى نحبه صابرًا حميدًا، شهيدًا سعيدا إن شاء الله تعالى ولا نزكي على الله أحدا، ومنهم من ينتظر، فهم على العهد باقون وعلى الطريق ماضون لا يغيرون ولا يبدلون، وأعجب من ذلك أنهم في أوار هذه المحنة يزيدون ويكثرون، وما يعلم جنود ربك إلا هو، نعم، كثيرٌ من أمتنا اليوم يجهلون أقدارهم، وقد حولوا عن متابعة أخبارِهم وملاحظةِ سِيَرِهم أسماعهم وأبصارهم، ولئن لم يبكوهم اليوم بمداد الأقلام، ليبكونهم غدًا بالدماء والآلام، وحسبهم أن الله يعلم ما يصنعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت