إن الإسلام أغنى الأديان بالأدلة وأحرصها على استثارة الأفكار ومُناشدة الضمائر، وكان يمكن أن يلام لو أنه آثر إعمال السيف على إعمال العقل، أو قابل اللطف بالعنف! أمَا أن يَعرِض حُجَّته فيَلقَى الهُزْءَ والهوان، ثم يحاول المتمرِّسون بالدهاء والجبروت أن يواروه الثَّرَى، فدون ذلك ركوبُ الأهوال.
والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم.
يقول ابن تيمية في رسالته عن القتال:
كانت سيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن كل مَن هادَنه من الكفار لا يقاتله! وهذه كتب الحديث والتفسير والفقه والمغازي تَنطِق بذلك، بل هو متواتر في سيرته، فلم يبدأ أحدًا من الكفار بقتال... ولو أن الله أمره بقتل أعدائه لبدأهم بالحروب ولكنه لم يفعل.
ثم قال:
أما النصارى فلم يقاتل أحدًا منهم حتى السنة السابعة من الهجرة ـ يعني إلى عشرين سنة من بَدْء الرسالة ـ فلما أرسَل بعد صلح الحديبية يدعو جميع الملوك إلى الإسلام، وكتَب إلى قيصر وكسرى والمُقَوقِس والنجاشي، وملوك العرب بالشرق والشام، دخل في الإسلام من النصارى مَن دخل، فعَمِد النصارى بالشام فقتلوا بعض مَن أسلم من كبارهم بـ"معان".
قال ابن تيمية:
فالنصارى هم الذين حاربوا الإسلام أولًا، وقتلوا مَن أسلم منهم بغيًا وظلمًا!
ورسلُه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كانوا يدعون إلى الإسلام دعوة مُجَرَّدة، فمَن دخل فيه دخل طوعًا لا كرهًا، ما أكرَهوا على الإسلام أحدًا، فلما بدأ النصارى بقتل المسلمين أرسل النبي جيش مؤتة ـ الذي انسحب كما ذكرنا في الفصل السابق بعد مصارع قُوَّاده الثلاثة ـ ثم كانت غزوة تبوك التي قرَّر الرومان ألا يشتبكوا مع جيشها لحظةَ رَأَوْها.