"كأنه أشار باليمين إلى طرَف الإفراط والتعمُّق في الدين، وباليسار إلى طرَف التفريط والتقصير، وكلاهما مُنحرِف عن سواء السبيل وعن الوسط الذي لا يميل إلى أحد الجانبين. ونحن لو تتَبَّعنا أنواع البِدَع والضلالات الاعتقادية وفتن الشبهات، التي أشارت إليها أحاديث افتراق الأمة على بضع وستين شعبة، أو البدع والضلالات العملية وفنون الشهوات التي أشارت إليها أحاديثُ فَتْحِ الدنيا وبَسْطِها لهذه الأمة وتنافسِهم فيها وجَعْلِ بأسهم بينهم الخ ـ لوجدناها لا تعدو هذين الطرفين".
إن الإسلام يجعل التوسُّط فضيلة في شئون الدين والدنيا جميعًا، ففي مجال التعبُّد يرفض الإسلام الجهد المُضني ويُؤْثِر الاعتدال المستمر، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن لكلِّ شيءٍ شِرَّةً"حماسًا ونشاطًا"ولكل شِرَّةٍ فَترةٌ"برودًا وعجزًا"فإن صاحبُها سدَّد وقارَب فارجُوه، وإن أُشِيرَ إليه بالأصابع فلا تَعُدُّوه".
وفي شئون الدنيا يكره الإسلام التبذير والتقتير ويحب الإنفاق المعقول، وقد وصف الله عباد الرحمن فقال: (والذين إذا أنفَقُوا لم يُسرِفوا ولم يَقتُروا وكان بينَ ذلك قَوامًا) (الفرقان: 67) .
في مجال العلم الديني رأيت ناسًا مُتَبَحِّرين في المنقول والمعقول، بهم فقه واسع، ومحفوظات كثيرة، لكن قلوبهم يَشينها جفاف بالغ، تولَّى أحدهم القضاء، وقَدِمت إليه امرأة متهمة بالزنى، فما زال يستدرجها ويمكُر بها حتى اعترفت له، وحكم برَجْمِها، لأنها متزوجة!
قلت: هذا منهج يهودي، فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يرشد المتهم ليفر من العقاب ويتراجع عن قراره، ويتحايَل عليه لينصرف آمنًا.
أما هذا القاضي فإنه احتال على المُذنِب ليقتله! ليس هذا أسلوب الإسلام.
والعلة أن جانبًا آخر من الثقافة الإسلامية لم يُصلِح قلب الرجل فبَقِيَ معتلاًّ، ولو أَلِف"علم القلوب"وذاق الجانب العاطفي من الإسلام لستر وغفر، يستره الله ويغفر له!