وبعد استعراض للكون تَناوَلَ عَرشَه وفَرشَه جاء هذا التقرير الحاكِم: (بل أتَيناهم بالحقِّ وإنهم لَكاذِبُونَ. ما اتَّخَذ اللهُ من ولدٍ وما كانَ معَهُ من إلهٍ إذًا لذهَبَ كلُّ إلهٍ بما خلَق ولَعَلا بعضُهم على بعضٍ سبحانَ اللهِ عما يَصِفونَ. عالمِ الغَيْبِ والشهادةِ فتَعالَى عما يُشرِكونَ) (المؤمنون: 90ـ92) .
هذه عقيدة التوحيد، وتلك أسانيدها العقلية، تتابعت في سياق صريح قاطع يثبت لله كل كمال وينزهه عن كل نقص، ويسند إليه المدائح التي تنبغي له وتليق بمجده!
حسنًا، فهل وقف الأمر عند هذا التقرير المدعوم ببراهينه؟
لا، لقد جاء بعده تيار عاطفي يدفع إلى البراءة من كل شرك وجهل، ويخوف من عواقب هذا الانحدار، جاء هذا التيار في صورة استعاذة من صاحب الرسالة أن يلحقه رَشَاش من الغضب الماحق الذي سينزل بالشاردين المعاندين، وغضبُ الجبارِ محذورٌ، ومن شمائل العبودية أن نتوقاه ونَنأَى عن أسبابه: (قُلْ ربِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدون. ربِّ فلا تَجعَلْني في القومِ الظالمين. وإنّا على أن نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لقادرون) (المؤمنون: 93ـ95) .
والغريب أنه بعد تمزيق الحجب دون الحقيقة، وبعد مواجهة البشر بما يحملهم عليها حملًا يقول الله لنبيه: تَمهَّلْ، وتَذرَّعْ بالحلم، وقابلْ بإحسان من يُسِفُّ (ادفَعْ بالتي هي أحسنُ السيئةَ نحن أعلمُ بما يَصِفون. وقل رب أعوذُ بك من هَمَزاتِ الشياطينِ) (المؤمنون: 96ـ97) .
هذا نموذج من عشرات تنبني عليها السور في القرآن النازل بمكة والنازل بالمدينة على سواء. والغريب أن النموذج هنا من سورة مكية، والمستشرقون يَرَون أن القرآن المكي يعتمد على العاطفة أكثر مما يعتمد على الفكر، فهل لديهم ما يوصف بأنه فكر أو عاطفة؟ إن ما لديهم فراغ!
ولا يوجد كتاب بنَى الإيمانَ على البرهان إلا هذا القرآن، إن التفكير فريضة إسلامية كما يقول الأستاذ العقاد!