قلت: ما أعظم الترابط ـ على بعد الشُّقَّة ـ بين الأرض وأمها، وما أدل طول الظلال وقصرها على عظمة مُثبِتها وماحِيها! وتلوت الآية الكريمة: (أولم يَرَوْا إلى ما خلَق اللهُ من شيءٍ يَتَفَيَّؤُ ظلالُه عن اليمين والشمائل سُجَّدًا للهِ وهم داخرون) (النحل: 48) ثم تلوت ما بعدها: (وللهِ يسجُدُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ من دابّةٍ والملائكةُ وهم لا يَستكبرون. يخافون ربَّهم مِن فوقِهم ويَفعَلون ما يُؤمَرون) (النحل: 49ـ50) .
إن الأسرة الشمسية التي تضم أرضنا تحتوي على نوع من الحياة فيه صلاحيةُ معرفة الله والاستقامة على هداه. ونحن ـ البشرَ ـ نقدر على ملاحظة آثار القدرة العليا فوق أرضنا المحدودة. إن ظلال الأشجار المهتزة مع الريح تقصُر حينًا وتطول حينًا، هو أثر إشعاع قادم من مسافة 150 مليون كيلومتر ضبَطَته بالشبر والإصبع حكمة دقيقة، بَدَهي أن تكون هذه الأشياء كلها ساجدة لمن أقامها وأدامها، فهي طوعًا أو كرهًا تسير وَفْقَ مشيئته.
هل يمكن أن تتلاقى هذه الكائنات وأن يعرف بعضها بعضًا؟ من يدري! قد يقع ذلك (ومن آياتِه خَلقُ السماواتِ والأرضِ وما بَثّ فيهما من دابّةٍ وهو على جمعِهم إذا يشاءُ قديرٌ) (الشورى: 29) .
هناك أمر مستيقَن؛ أن بني آدم مجموعون ليوم لا ريب فيه، وأن هناك جنًّا سوف يُحاسَبون مثلنا لأنهم داخل دائرة التكليف، أما ما وراء ذلك فلا ندريه ولعله لا يعنينا.
المهم أن هناك سماواتٍ معمورةً بخلائق أخرى، وفي الحديث"أَطَّت السماءُ وحُقَّ لها أن تَئطَّ"أي ضجت من ازدحامها.
إن السماوات حق ولا نعرف كُنْهها، والملائكة حق ولا نعرف كُنْهها، ولم نكلَّف بذلك، وليس في العلم ما ينافي ذلك، بل إن الملائكة ـ كما أفاد الدين ـ موجودة بين الناس، وهي تؤدي وظائف مَنُوطة بها في الإحياء والإماتة والمراقبة والتسجيل والإلهام والتخذيل!