وقال تعالى: (ولكم في القِصاصِ حياةٌ) (البقرة: 179) ولكن السنة بينت أنه لا يُقتَصُّ للفرع من الأصل؛ فإذا قتَل أبٌ ابنَه عوقب بغير القتل! والسبب أن هذا القتل شذوذ عن سَنَن الآباء الذين قد يَفتَدون أبناءهم بحياتهم، ويَحيَونَ كادحين ليوفروا لهم السعادة!
لابد أن هذا القتل لا تَصحَبه نية الإجرام، وأنه وقع تحت ضغط جنوني طارئ!
ويرى مالك أنه لا قصاص إلا إذا كشفت التحقيقات أن الأب رجل متوحش مجرد من مشاعر الحُنُوّ، فكَّر ودبَّر لغرض خسيس! ويرى غيره إلغاء القصاص مطلقًا إمضاء للسنة!
وهذا التخصيص أو التقييد هو تفسير ممن تلقّى الوحي للمراد الإلهي، ومن أحقُّ من نبي القرآن بتفسيره! ولا يسمَّى معارضةً للقرآن الكريم، بل هو بيان وتوضيح.
وتستقل السنة بإنشاء أحكام إلى جوار ما شُرع في القرآن، وأي ضير في هذا!
قالوا: مثل المسح على الخفين بدل شريعة الغسل! ومثل تحريم الذهب والحرير على الرجال.. الخ
والتحقيق أن تشريعات السنة كلها داخلة في نطاق القرآن الكريم ودلالاته القريبة والبعيدة، وعندي أن المسح على الخفين ليس من إنشاء السنة بل هو معنى القراءة الثابتة (فامسَحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (المائدة: 6) بكسر اللام عطفًا على ما قبلها، والتعبير مجازي كما يقول علماء البلاغة، أطلق الحال وأراد المحل!
أما تحريم الذهب والفضة فسدًّا لأبواب الترف!
وأظن ما ورد من تحريم استعمال الجرس فلحماية شعيرة الأذان، وإلا فلا مانع من استعمال الجرس للإنذار أو في الساعات المنبهة، أو في الهاتف أو في أعناق الدواب مثلًا.
ولفقهاء الحنفية كلام في هذا الموضوع أُورِده هنا لأني ميال إليه، إنهم يرون أن الفرض والمحرَّم لابد في إثباتها من نص قاطع، ومعنى هذا أن خبر الواحد لا ينهض على إثبات حرمة أو إثبات فرضية. ويعني هذا أن الأحكام الشرعية تزيد اثنين فوق ما قرره الأئمة الآخرون!