والحضارة الغربية، كما قلنا آنفًا، اتسع علمها وضاق أدبها، أو طالت ثقافتها وقصُرت تربيتها، فهي الآن تصنع أجيالًا لا تعرف إلا الحياة ليومها فوق هذا التراب، وتؤمن أنها لن تحيا مرة أخرى أبدًا، ومن هنا غلب عليها هذا السُّعار في اقتناص الموجود، والركض وراء المفقود، والحقد على من وجَد، والازدراء على من فقَد!
إنها لا تؤمن بالله واليوم الآخر! ورجال الدين مشغولون بسخائمهم القديمة! إن كانوا هودًا فهَمُّهم الأكبر امتلاك أرض الميعاد كما يحلُمون، وإن كانوا نصارى فهمهم الأكبر استعادة قبر المسيح والثأر ممن أخذوه في العصور الوسطى.
وما يدور في ذهنهم تعاون عام لإبقاء الأرض موصولةً بالسماء، فهل هذا تقدم علمي أم نجاح للغرائز الهابطة والأغراض الدنيا!
على أن القرون الأولى لم تَخلُ من علم أثارت به الأرض وزُيِّنت به الحياة!
والمنكور هو انعدام التوازن في أية حضارة بين جوانبها المادية والأدبية، لقد بنى المصريون الأهرام، والبناء في ذاته ليس عيبًا، وإنما العيب أن تهلك أسرة في سبيل بناء مقبرة الملك. وبنت عاد قصورًا شامخة وأبراجًا عالية، فإذا اصطدم برغبتها أحد سحقته، وأغراها جبروتها بحرب الإبادة، فكان من قصص القرآن عنهم: (أتَبنُون بكلِّ رِيعٍ آيةً تَعبَثون. وتَتَّخذون مصانعَ لعلكم تخلُدون. وإذا بطَشتُم بطَشتم جبّارين. فاتقوا اللهَ وأطيعونِ) (الشعراء: 128ـ131) .
ورفض هؤلاء وأولئك تقوى الله وسماع الناصح الأمين فماذا كانت العقبى؟
(ألم تَرَ كيف فعَل ربُّك بعادٍ. إرَمَ ذاتِ العِمادِ. التي لم يُخلَقْ مثلُها في البلادِ. وثمودَ الذين جابوا الصخرَ بالوادِ. وفرعونَ ذي الأوتادِ. الذين طَغَوا في البلادِ. فأكثَروا فيها الفسادَ. فصَبَّ عليهم ربُّك سَوطَ عذابٍ. إن ربَّك لبالمرصادِ) (الفجر: 6ـ14) .