ومن الطرائف التي يحكيها الأدباء أن الخوارج اعترضوا نفرًا من الناس، وأحبوا أن يتعرفوا هويتهم، وكان فيهم أبو حنيفة، فأسرع يجيب الخوارج: نحن مشركون مستجيرون! فلما تركهم الخوارج يمضون لشأنهم قال الإمام الفقيه: إن القرآن يقول: (وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأَجِرْه حتى يَسمَعَ كلامَ اللهِ ثم أَبلِغْه مَأمَنَه) (التوبة: 6) فأسمِعونا كلام الله وأبلِغونا مأمننا. وفعل الخوارج ذلك، ونجا أبو حنيفة ومَن معه من الفتك!
والقصة تستدعي التأمل! ولئن كانت مثار رِيبة عند البعض.
إن التاريخ الإسلامي يصدق دلالتها، ويكشف عن العلة في بقاء الطوائف الكافرة بالإسلام وسط بحر مائج من الأمم الإسلامية، مما لا نظير له في القارات كلها!
ونتساءل بعد ذلك الاستعراض:
هل من حرية الفكر أن يُسلم رجل ليتزوج امرأة مسلمة، فإذا نال مبتغاه منها وتحولت عاطفته عنها رجع إلى دينه الأول؟
أو من حرية الفكر أن يتصل شخص بأعداء أمته وينقُل إليهم أسرارها ويتآمر معهم على مستقبلها؟
إنه لابد من التفريق بين العبث بالأديان أو خيانة الأوطان وبين حرية الفكر! فالمسافة شاسعة بين المعنَيَين!
وقد ذكرنا في موضع آخر كيف أراد اليهود استغلال هذه الحرية المتاحة لضرب الإسلام وصرف الناس عنه: (وقالت طائفةٌ من أهلِ الكتابِ آمِنوا بالذي أُنزِل على الذين آمَنوا وَجهَ النهارِ واكفروا آخرَه لعلهم يَرجعون) (آل عمران: 72) .
فهل تَرضَى جماعة تحترم دينها أن يقع هذا العبث أو ينجح هذا التلاعب؟
إننا نريد أن نشرح حقيقة الارتداد وسر الموقف الحاسم منه.
معروف أن الإسلام عقيدة وشريعة، أو بتعبير عصرنا"دين ودولة"والدولة التي تقيمها الجماعة المؤمنة مكلَّفة بما تُكلَّف به الدول في أرجاء الأرض، فهي تنشر الأمان وتحميه وَفْقَ شرائعها المُوحَى بها من الله تبارك وتعالى.