فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 566

ثالثًا: ثبوت إقرار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه الذين كان يبعثهم إلى الأقاليم النائية على الاجتهادِ والأخذِ بالرأي فيما لم يجدوا حكمه في الكتاب أو السنة.

وظاهر من مطالعة تاريخنا الثقافي أن الاجتهاد التشريعي بدأ رسميًّا جماعيًّا، ذلك أن رئيس الدولة كان يختار من أهل الدراية والفقه، وكان بقدرته العلمية يجمع حوله أمثاله في النظر والاستنباط، فإذا انتَهَوَا إلى حكم عملت به الدولة والأمة جميعًا.

والدول العظمى الآن تقوم على هذا الاجتهاد الجماعي في دعم مبادئها ومصالحها، ويَغلِب أن يقودها أكفأ بَنِيها، وأن يعاونه في المشكلات المتجددة مجلسُ شورى ذكيٌّ نزيهٌ حافلٌ بشتى الكفايات.

مع ملاحظة أن الاجتهاد عندنا رحب الدائرة، يشمل العبادات والمعاملات والشئون الشخصية والدولية، وقد رأينا عمر يجتهد في تحديد نفقة المطلقة ثلاثًا وسُكناها، كما يجتهد في أنصبة المجاهدين من غنائم الأرض المفتوحة!

ووَدِدت لو بَقيَ الاجتهاد رسميًّا جماعيًّا كما بدأ، إذًا لوَقيَ المسلمين اختلافًا كثيرًا، لكنْ سيطرة الأسَر الكبيرة على منصب الخلافة مكَّن رجالًا جهَلة من الظَّفَر به، والرؤساء القاصرون لا فقه لهم في كتاب أو سنة ولا علاقة لهم بشورى أو استنباط.

وإنه لمن المحزِن أن يقود العباقرةُ شتى الملل والنحل، وأن يقود المهازيلُ أمةَ الرسالة الخاتمة!

وليست الأمة عقيمة، بل إن أهل الذكر فيها كُثْرٌ، وقد تحركت الشعوب لمّا وقفت الحكومات وبدأ الاجتهاد الفقهي يزدهر ورجاله يلمعون، ولكنه كان نشاط أفراد عظماء أسسوا مدارسهم العلمية بقوة وتَجمَّع الأتباع حولهم بحماس.

ومع أن الأئمة الفقهاء كانت بينهم وبين رجال السلطة وحشة وأكثرهم مسَّه الضُّرُّ، إلا أنهم نجحوا في نشر علومهم وتنمية مدارسهم حتى ملأت أرجاء العالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت