ولم تَخْلُ عاصمة إسلامية قديمًا من فقيه كبير وإمام مرموق، على أن الفقهاء الأربعة المتبوعين كانوا أسعد حظًّا؛ فرُزِقوا مَن حَفِظ اجتهادهم وضَبَط تراثهم واستَنقَذه من الضياع. وفقهُ أولئك الأربعة على عظمته يمثل الاجتهاد الفردي ويحمل خصائصه، وما يُغني قط عن الاجتهاد الجماعي الذي تلتزم الحكومة والجماهير بثماره!
ولا ريب أن اجتهاد مَحفِل من العلماء أدنى إلى الصواب والنفع من اجتهاد إمام فرد.
والأربعة المشهورون يتفقون على استقاء الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع، إلا أن الأحناف يرجحون ظواهر القرآن وعموماته على أخبار الآحاد، وربما ردوا الحديث بالقياس الجَليِّ، وهم بهذا المسلك وغيره طليعة فقهاء الرأي!
ويليهم المالكيون الذين اعتمدوا في كثير من القضايا على بيئة الوحي وتقاليد أهل المدينة، ويرونهم أعرف الناس بالسنة الثابتة، وقد جعلهم هذا الفهم يردون أخبار آحاد أكثر مما رد الأحناف!
أما الحنابلة ومعهم الشافعية فارتباطهم بأخبار الآحاد أقوى، وهم يردون بها القياس.
ولكل إمام منهجٌ في الفهم والاستنباط وتقرير الأحكام عُرف به وقلده فيه آخرون.
ويظهر أن انفتاح باب الاجتهاد الفردي أغرى كثيرين باستقلال النظر وتقرير الأحكام، حتى تحولت الحرية الفقهية إلى فوضى، فتداعى أولو الغيرة لوقف هذا التيار، ودون أن ينعقد مَجمَع أو يتفق مؤتمر تراجَعَ الناس رويدًا رويدًا إلى فقه الأربعة المشهورين وأُهمل غيرهم.
وقد كنت أول الأمر ناقمًا على إغلاق باب الاجتهاد، ولكن لما انكسر الباب وتحدث في الإسلام من يعقل ومن لا يعقل، بل كان صوت المرتزَقة أعلى من صوت المخلصين! عَذَرت الذين أغلَقوا الباب وأطفَأوا الفتن.
أيعني ذلك أني لا أريد فتح هذا الباب؟
كلا! إن الاجتهاد التشريعي خصوصًا فيما يَمَسُّ المعاملات الداخلية والخارجية ضرورة دينية واجتماعية!