وهل هذه الاستطاعة باقية أم إلى حين ثم تَلحَق بالآيات المعطَّلة؛ أي الميتة؟
إن تطلُّع أي مسلم إلى طاعة ربه في كل ما أمَر به أو نهَى عنه شيء عادي أو هو الشيء المرتَقَب الذي لا يُرتَقَب غيره. ولذلك فمن السماجة التي لا قرار لها أن يستغرب أحدٌ المطالبةَ بحكم الله، وأن يعرقل سير القوافل المؤمنة وهي تنتصر لشرائع السماء.
ولكنه الغزو العسكري تحول إلى غزو ثقافي خبيث، وسَّخ مُخَّ الجيل الجديد وضلَّل سعيه، وخلق عصابات من الأدباء والمترجمين والإعلاميين والمؤلِّفين والفنانين، هجموا على تراثنا يبتغون محوه ليُحلوا محله أردأ ما في الحضارة الغربية.
بذلك ينتهي وجودنا الأدبي باسم"التجديد"وتتحول هزيمتنا السياسية إلى فناء باسم"التقدم".
بيد أن الله أحبط كيد الخائنين، ونشأت في العالم الإسلامي شرقه وغربه نهضة عارمة تَنشُد العودة إلى دينها وتزدري ما أدخله الاستعمار علينا من قوانين ما أنزل الله بها من سلطان!
ومع المطالبة بعودة الشريعة الإسلامية إلى المجتمع الإسلامي نحب أن نُلقيَ نظرة فاحصة إلى هذه القوانين الوافدة.
إن المستعمرين الأوائل الذين فرضوها كانوا نصارى، فهل هذه القوانين نصرانية؟
الواقع أن الأناجيل ليست كتب تشريع، وأن عيسى ـ عليه السلام ـ بيَّن أنه منفِّذ لتعاليم التوراة في الجملة. ومعنى هذا أن شرائع العهد القديم هي التي يجب تطبيقها.
فهل طبق النصارى هذه الشرائع؟
كلا! لأن اليهود أنفسهم أهملوا أغلبها فكيف يجيء غيرهم ليرد إليها الحياة؟
بل إن"بولس"داعية النصرانية الأكبر وسَّع دائرة التعطيل، فألغَى الختان وهو مقرَّر من عهد إبراهيم الخليل، وأباح أكل الخنزير، ونصوص التوراة تأبى ذلك.
وأتباع النصرانية في العصور الأخيرة ينظرون إلى شرائع التوراة نظرة ريبة وتهمة، فبعضها يستحيل علميًّا قَبوله لقسوته وشناعته؛ كتهديم بيوت بعض المرضى ونقضها من أسسها، وبعضها حف به ما وَقَف تنفيذَه كشريعة الرجم!