وعلى أية حال فإن اليهود والنصارى جميعًا أماتوا أغلب الأحكام السماوية وشرَعوا لأنفسهم قوانين أرضية تحكم شئون الأموال والدماء والأعراض.
وظاهرٌ أن عددًا من القوانين والنظرات الرومانية ساد المجتمعات الأوربية وساقها إلى وجهته، والقوانين الرومانية وثنية الأصل أرضية النزعة لا علاقة لها بالسماء، وإنما تستمد وجاهتها من تقاليد ينبغي ـ لأمر ما ـ أن يحتكم الناس إليها!
وعند التأمل نشعر بأن واضع القانون كان يتخيل نفسه مكان المنحرف ثم يُنشئ العقوبة المناسبة فتجيء وكأنها اعتذار عن المجرم، أو تقدير لوجهة نظرة، أو إتاحة لفرص النجاة أمامه!
أعني أن ينظر في حال القاتل، فإن كان الدافع إلى القتل شعورًا مفاجئًا تملَّكه أَبعَدَ عنه القصاصَ ومهد أمامه طريق الحياة!
إن واضع القانون في الحقيقة كان ينقذ نفسه من القتل لأنه يتصور نفسه مكان المجرم، أما الآثار الاجتماعية لمنع القصاص فهو يتجاهلها.
وقد مضى هذا الشعور المعتَلُّ في طريقه حتى أبطَل ـ أو كاد ـ عقوبةَ الإعدام لجماهير القتلة. وأمسى من العدالة أن يغتصب رجل ذئب بضع عشرة فتاة، ثم يقتلهنَّ جميعًا، ثم يقضي بقية حياته في سجن مهذب!
وفي نظر القانون الوضعي أن الجسد ملك صاحبه ليس لله حق فيه! فإذا زنى إنسان بملء إرادته فلا حرج ولا جريمة، وإذا كان هناك حق لزوجٍ كانت المؤاخذة محدودة، تذهب بتنازل الزوج!
والمال أخطر من العِرْض، فسنُّ الرشد المالي إحدى وعشرون سنة، أما سنُّ الرشد عندما يتصرف امرؤ في عرضه فثماني عشرة سنة.
والقضاء في شئون المال ملزِم بما كُتب، فلا تُسمَع الدعوى في دَين شفوي زاد عن عشرين جنيهًا، ولا مكان لضمير القاضي هنا في محو أو إثبات.