أما في شئون الدم والعرض فللقاضي أن يتصرف بما يراه أدنى إلى الصواب، والصواب هنا وَفْقَ مقررات البيئة، وفي قضية الثري المصري على فهمي الذي قتلته زوجته الفرنسية، رأت المحكمة أن القاتلة لا تستحق عقوبة ما تقديرًا لظروفها النفسية!
وانقطاع الصلة بين التوجيه الإلهي وعلاج الانحراف انتقل من القضايا الخاصة إلى القضايا الدولية؛ فإذا قُتل يهودي في روسيا قامت الدنيا وقعدت، وإذا قُتل ألف مسلم في بلد آخر لم يتحرك أحد!
ومظالم الزنوج في جنوب أفريقيا قد تثير قليلًا من التعليق، ولكن هذا التعليق يختفي عندما تبلغ القضية مجلس الأمن ويُقترَح توقيع عقوبات على جنوب أفريقيا! إن الدول العظمى كلها تستغل حقها في الاعتراض لتبقى جنوب أفريقيا ملكًا خاصًّا للرجل الأبيض؛ يقترف ما يشاء دون حرج ويجتاح حقوق السود بلا وجل.
وكان هلاك الأمم السابقة أنهم إذا سرَق الضعيف قطَعوه وإذا سرَق الشريف ترَكوه، أي أن العدالة تتلون مع القوة والضعف، وذاك ما يحدث الآن مع التقدم الحضاري الكبير.
إنه تقدم علمي حقًّا، ولكنه مثقَل بأوزار الهوى وأوحال الشهوات، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخضع لحكمه ولا يتبع هداه.
ولا نزعم أن القوانين الوضعية شر كلها، فهي من صنع الإنسان الذي يصيب ويخطئ ويَضل ويَهتدي، وربما تضمنت أمورًا جديرة بالقبول خصوصًا عندما تعمل في الميدان الإداري أو الدستوري. لكن ذلك لا ينسينا أمرين:
أولهما: أنها جعلت إقصاء الإسلام وإزهاق روحه هدفها الكبير.
والآخر: أنها تنقل إلينا قِيَم وأعراف أقطار جرفتها فلسفات مادية لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر!
ومِن ثَمَّ كان الخندق عميقًا بين هذه القوانين الغازية المفروضة كَرهًا وبين جماهير لم تَنسَ ولاءها لله ورسوله ولم تتنكر لماضيها الإسلامي الثابت.
والصراع القائم الآن هو بين سماسرة الغزو الجديد ومروجي عقائده وأنظمته وبين حراس الإسلام والأوفياء لتراثه وتاريخه وأمته.