ولما كان الإسلام دينًا متعدد الشعب له في كل ميدان توجيهات ومعالم، فإن رَحَى المعركة تتسع يومًا بعد يوم تتناول السياسة والاقتصاد كما تتناول الزواج والحضانة، وقد رفضت الجماهير أن تقسم ولاءها بين ما تريد وما يراد لها.
وكل يوم يمر يزداد صوتها علوًّا بضرورة تحكيم الإسلام في كل شيء، وإنزال العبادات والمعاملات جميعًا على شرائعه المقررة في الكتاب والسنة.
وأعداء الإسلام أيقاظ لموقف أمته من شريعته المهدَرة، وهم يضعون العوائق علنًا وسرًّا أمام عودة الشريعة الإسلامية.
وأمل الفريقين لا يَخفَى؛ فأعداء الإسلام يريدون بقاء القوانين الوضعية تمهيدًا لإزالة الإسلام كله، حتى من مجال الأخلاق، فالأخلاق المدنية لديهم أفضل من الأخلاق الدينية.
وأنصار الإسلام يبغون من عودة التشريع الإسلامي حماية الإيمان ذاته وحراسة آثاره في شئون الحياة كلها، ورد ما انتقص منها، وإرغام المغيرين على الانسحاب بكل مقوماتهم المضادة لتعاليم الإسلام المناوئة لشعائره وشرائعه.
بيد أننا بعد ما كشفنا جبهة العدو لا نريد أن ندافع عن أنفسنا بالباطل، فقد ظلمنا رسالتنا عندما جمَّدنا فقهنا ألف عام وأخذنا نطحن في الماء خلال تلك القرون، ما نزيد ولا ننقص، وكأنما أثبتنا الفلك وأغمضنا عين الزمان.
وعندما أُرغِمنا على الحركة شرَع لفيف منا يبدأ العمل من حيث وقف الآباء غير مُعترِف بأن شيئًا ما قد حدث في طول العالم وعرضه.
إنه لا بأس أن نغاليَ بما عندنا، على شريطة ألا نبخس ما حققه الآخرون في فترة غيابنا عن قيادة العالم.
وشيء آخر لابد أن نراجع أنفسنا فيه؛ إن الشمال الأفريقي لا يعرف إلا فقه الإمام مالك، وأغلب الأتراك والهنود وجمهور من العرب لا يعرف إلا فقه الإمام أبي حنيفة، وكل أمام كبير أتباعه متحمسون.