ويجوز للمجتهدين أنفسهم أو لمن أتى بعدهم إذا تغيرت ظروف الإجماع الأول أن يعيدوا النظر في المسألة على ضوء الظروف الجديدة، وأن يقرروا ما يحقق المصلحة التي تقتضيها تلك الظروف، ويكون الاتفاق الثاني إجماعًا مُنهيًّا لأثر الإجماع الأول، ويصير هو الحجة التي ينبغي اتباعها، وإذا وُجدت المصلحة فثَمّ شرعُ الله.
إن الإجماع بمعنَيَيه معقول! فأما بالنسبة إلى ما يستند إلى النصوص القاطعة فظاهر، وما يحب الفِكاك منه إلا الذي في قلبه مرض.
ونتوقف قليلًا عند الإجماع بالمعنى الثاني، إنه لا يوجد مجتمع بشري يحب أن يُعرِّض مقرراته للعبث ما دام أولو الألباب قد انتهوا إليها. فإذا لاحظ أحد أن هناك تغيرًا في معنى المصلحة وفد به الزمان المتجدد دعا إلى النظر في الأمر، وشرح ما لديه من دوافع إلى مراجعة الإجماع السائد، فإن وافقه الآخرون فيها حَلَّ إجماع مكان إجماع، وإلا فلا يحل له أن يتصرف وحده ويَشِذ عن الجماعة.
إنني أوَد لو كُتب المصحف بالإملاء المعهود لا بالرسم العثماني، ولكني لا أبيح لنفسي نشر مصحف بهذا الإملاء شاقًّا الإجماع السائد.
إذا اجتمع أهل الذكر في الأمة على ترك الرسم القديم وإثبات الإملاء الجديد فبها، وإلا فكتابة المصحف باقية على ما هي عليه.
وقد أنكرتُ على أحد الحكام تغييرَه للتاريخ بالهجرة وجَعلَه التاريخ بدءًا من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. إن هذا التصرف عابث، وخروج على إجماع محترم دون سبب واضح أو غامض!
وقد يتخيل البعض أن هناك إجماعًا على أمر ما، وليس لخياله حظ من الواقع.
فإجماع الأئمة الأربعة على حكم ما أو على فهم ما لا يُسمَّى إجماعًا إذا كانت ثَمّ مذاهبُ لصاحبه أو تابعين أو مجتهدين آخرين.
وقد رأيت من يحتقر الفقه الظاهري ويرى الإجماع يتم بدونه، وهذا تصرف مستَهجَن، وقد رأيت لابن حزم آراء كان فيها أولى بالحق من غيره وأقوَمَ قيلًا، كما رأيت لابن تيمية فقهًا ناضجًا بالذكاء والتألق.