قلتُ: إن المسلمين يبلغون ألف مليون نسمة، وقد قامت للصين دولة وهي مثل ذلك العدد.
فإن قلتَ: إن الصينيين على أرض واحدة ومساحة مشتركة!
قلتُ: إن الاتحاد السوفيتي قَدَر على بناء دولة واحدة فوق أرض تأخذ نصف أوربا، ومثل ذلك من آسيا مع تعدد الأجناس واللغات!
إنه لا توجد عوائق مادية تمنع قيام دولة واحدة للمسلمين، بل إن هذه الدولة ظلت قائمة أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، ما يخرج عن نطاقها إلا عدد محدود يرنو إليها يستظل من بعيد بحمايتها.
إن العوائق دون هذه الدولة نفسية ومعنوية واستعمارية، وهي ترجع إلى المسلمين قبل أن ترجع إلى خصومهم.
إن البعد عن الإسلام والموت الأدبي الرهيب الذي حاق بشعوبه كانا من وراء سقوط الخلافة واقتسام الأقوياء لتراثها.
بل إن المستعمرين في أقطار شتى من أفريقيا وآسيا خرجوا من الأرض التي احتلوها طوعًا لا كَرهًا، دون أن تُسفَك قطرةُ دم! وترَكوا في هذه الأرض حكامًا محليِّين يحرسون مصالحهم، ونستحي أن نقول: تركوا حكامًا حَزِنوا لانسحابهم!
ومن هنا نؤكد أن عودة الدولة الإسلامية الواحدة تحتاج إلى تمهيد واسع، يُعيد المسلمين أولًا إلى دينهم الحق، ويملأ أفئدتهم وألبابهم برسالته وعقائده وشرائعه وفضائله. كما تحتاج إلى بصرٍ حادٍّ بأخطاء الماضي وأسباب الانهيار حتى يمكن تجنبها بلباقة ومقدرة، فتُبنَى الدولة الجديدة على قواعد لا تنال منها الأيام.
وغني عن البيان أن هذه الدولة الجديدة ليست مركزية، إنها مجموعة من الأقطار أو الولايات لها حكوماتها المحلية، ومجالس شوراها، وضرائبها، وشخصيتها المعنوية، يتكون منها بعد ذلك كيان الدولة الكبرى، ويوجد بعاصمتها الخليفة بسلطاته العامة.
ويستطيع الأخصائيون وضع القالب القانوني لهذا البنيان السياسي، ولا حرج عليهم أن يقتبسوا من الأنظمة المطبَّقة في دولةٍ مشابِهَهُ بعد إشرابها روح الإسلام.