لما كان الإسلام دينًا عالميًّا دخلت فيه أجناس كثيرة استفادت منه وأفادته! ووسَّعت رقعته على ظهر الأرض وعمَّقت ثقافته، وحَفِظتها وورَّثتها الأجيالَ المقبلة، وبذلت المال والدم في سبيل عقائدها، ولا تزال تجاهد دونها إلى يوم الناس هذا.
وصحابة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ هم أزكى أتباعه وأطهرهم، وأجدرهم بالتكرم والتأسي.
بيد أننا نَلحَظ أن العرب ـ حاشا الصحابةَ وتابعيهم بإحسان ـ كانوا كالوارث المعتمِد على جُهد أبيه ومدخراته، أخذوا أكثر مما أعطَوْا، وتشبعوا من الدنيا باسم الدين، وطلبوا من الناس أن يَحملوهم ويقبلوهم مع الإسلام نفسه، ففرضوا خصائصَهم العِرقية على هدايات الله، وتقاليدَهم الجاهلية والقَبَلية على حقائق الفطرة.
فكان المُلكُ العَضُوض أيام الأمويين! وكانت الخلافةُ الكاهنة أيام العباسيين والفاطميين! وكان احتقارُ الحرف والصناعات، وكان الافتخارُ بالأصل والعِزوة! وكان احتقارُ النساء بعد وَأْدِهم في الجاهلية.
ومضى الانحراف إلى العصر السابق؛ فخان العربَ التركُ حتى جعلوهم يرمون الخلافة في البحر، ثم كانت الطامة الكبرى إذ ظهرت العروبة متخففة من الإسلام أو مستنكِرة له، يقودها من لا علاقة له بالله أبدًا.
ويوم تقول: إن القومية العربية هي السبب الأعظم في نجاح الفتح الإسلامي الأول. فمعنى ذلك أن عقائد الإسلام وفضائله وحاجة العالم إليه أمور ثانوية أو وهمية!
ومن ثَمّ يفقد الإسلام أمجاده التاريخية كما فقد وجوده التشريعي والتربوي في الحاضر المهزوم!
لا يجوز للجنس العربي أن يَعدُوَ قدْرَه ويَفتاتَ على غيره، وينسى أن الإسلام وليَّ نعمته ومقيم دولته، وحافظ كيانه وداعم أركانه!