وقبل ذلك بسنين كانت معركة مؤتة التي حاول فيها مائة ألف من النصارى العرب ومعهم مثلهم من الرومان أن يَفتِكوا بالجيش الإسلامي القليل العدد، الجيش الذي حركه الغضب لأن هؤلاء العرب أذناب الرومان قتلوا بطريقة سافلة رسولًا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسله إلى أحد أمرائهم.
كاد هذا الجيش يذوب لولا انسحاب خالد بن الوليد!
وسبب المعركة ما ذكرناه آنفًا؛ قال الأمير الغساني للحارثِ بن عمرو، رسولِ النبي لتبليغ الدعوة: لعلك من رُسُل محمد؟ قال: نعم. فشَدَّ وِثاقه، ثم ضرَب عنقه بالسيف!
فأين هي آصرة القومية التي تجمع بين المسلمين والعرب الخاضعين للروم؟
إن الأمر بلغ حدًّا من الهزل يستحق الدهشة.
أي قومية يَعنُون؟
ونذهب إلى جبهة الفرس، فماذا نرى؟
نرى عرب العراق ينضمون إلى مجوس فارس في مقاومة الصحابة والتابعين، مع أن آخر مَلِك لهؤلاء العرب مات في سجن كسرى! ولكنه الذل وقبول الدَّنِيَّة.
كانت موقعة الولجة وأُلِّيس على نهر الفرات من أقسى المعارك التي خاضها العرب المنتصرون مع سادتهم المجوس ضد زحف خالد ورجاله! حتى بلغ الغيظ من خالد مبلغه وهو يرى بني جنسه يكسوهم هذا الصَّغَار! فكان إذا ظَفِر بهم يقول: أعرب! فما تنقمون من العرب؟ أم عجم! فما تَنقِمون من العدل والإنصاف؟
فكيف يجيء بعد هذه الحقائق الدامغة من يزعم زُورًا أن هذه الحروب كانت تحررًا وطنيًّا، أو ثورة قومية تَعاوَنَ فيها عرب الشام وعرب العراق مع زملائهم عرب الجزيرة ضد الروم والفرس!
إن الصحابة والتابعين الذين خرجوا من المدينة المنورة كانوا يحملون حقًّا رسالة تحرير، لكنها للشعوب كافة، لجماهير الفرس والروم والعرب الذين طحنهم الحكم الفردي، وكبَّل ضمائرهم وحرمهم الحقوق الطبيعية للإنسان.