ومع ذلك فقد تعمقتُ في فهم أفكار الخلف، وأستطيع القول بأن جمهرتهم حِرَاص على توحيد الله وتوقيره، وأن دراستهم لابد منها في فهم الملل والنحل ومقارنة المذاهب، وأن الأفضل الآن تحنيط هذه الدراسات ووضعها في المخازن للذكرى والتاريخ.
فالنزعة العقلية المعاصرة لا تحب أن تسمع بحثًا عن:
هل الله عالم بذاته أو بصفة زائدة على الذات؟
إن هذا اللون من الفكر أمسى لغوًا! وعلى معتنقي فكر السلف أن يتجردوا لنصرة دينهم، فالمدى فسيح.
أما أن يَعتبروا اعتناقَ الفكر السلفي هو نصرة الدين، وأن إلحاق هزائم بالأشاعرة قُربَى إلى الله فذاك الآن نوع من البَطالة!
قال لي صديق من نجد: نطاق العقائد أوسع مما ذكرت، والذين يقفون به عند هذه الحدود هم الذين لا يؤمنون بالوحيَين معًا.
قلت دَهِشًا: ما تعني بالوحيَين؟
قال: الكتاب والسنة.
قلت: هذه تثنية مثيرة، فإن القرآن معجِز تحدَّى الله به الإنس والجِنّة، وهو مقطوع بثبوته كلمة كلمة.
ولا كذلك السنة؛ أكثر السنة أحاديث آحاد يعمل بها في الفروع، أما العقيدة فتحتاج إلى نص مستَيقَن ثابت بالتواتر. والقرآن أصل الإسلام، والسنة فرع يجيء بعده بيانًا وتفسيرًا.
قال: السنة مثل الكتاب في أنها مصدر للعقائد ما دام السند صحيحًا.
قلت: ما هي العقيدة التي ترى أنها ثبتت بحديث آحاد وكُلِّفت الأمة جمعاءَ باعتناقها؟
فتروَّى قليلًا ثم قال: ثبت في الصحاح أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"لا تمتلئُ النارُ حتى يَضَعَ اللهُ تبارك وتعالى فيها رِجلَه فتقولَ: قط قط. فهناك تمتلئُ ويَزوي بعضُها إلى بعض، ولا يَظلمُ اللهُ تعالى من خلقه أحدًا"فالحديث أثبت صفة القدم.