ففي الحديث عن ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن خَلْقَ أحدِكم يُجمَعُ في بطنِ أمِّه أربعين يومًا، ثم يكونُ علَقةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلك، ثم يَبعَثُ اللهُ مَلَكًا بأربعِ كلماتٍ؛ بكَتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أم سعيدٌ، ثم يُنفَخُ فيه الروحُ".
وإذا صح أن نسمِّيَ هؤلاء الموكَّلين بالأرحام ملائكةَ الحياة، فهناك آخرون للوفاة (قل يَتوفَّاكم مَلَكُ الموتِ الذي وُكِّل بكم ثم إلى ربِّكم تُرجَعون) (السجدة: 11) .
والمحيي المميت هو الله جل شأنه، وهو الذي يُلهم ملائكته ويُقْدِرُهم على فعل ما يريد.
وقدرات الملائكة أعظم كثيرًا من قدرات الجن، وإذا كان العفريت يستطيع أن يلمس السماء، أو ينقل شيئًا من اليمن إلى فلسطين في ساعة، فإن الملائكة أوسع طاقة، وفيهم من يستطيع تطويقَ أعتى المَرَدة والهُوِيَّ به إلى أسفل سافلين.
والملائكة يتابعون حياة البشر ويسجلونها، سواء كانت نية في القلوب أو كسبًا للجوارح، ويعني هذا بلا ريب رؤية عجيبة وصَحوًا تامًّا (إذ يَتلقَّى المتلقِّيان عن اليمين وعن الشمال قَعيدٌ. ما يَلفِظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ) (ق: 17،18) .
وما يحتاج ربنا ـ جل جلاله ـ إلى من يعلِّمه أو يذكِّره! ولكن النظام الذي وضعه لكونه أحصى فيه كل شيء من المخلوقات والأعمال (وما يَعزُبُ عن ربِّك من مثقالِ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ إلا في كتابٍ مبينٍ) (يونس: 61) .
والملائكة الكرام الكاتبون لا ينتهي لهم تسجيل، ولا يقف لهم إحصاء (كلَّ يومٍ هو في شأنٍ. فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تكذِّبان) (الرحمن: 29،30) .
والملائكة صديقة للمرء المؤمن؛ تفرح بعبادته وتَهِشُّ له، وإذا دخل المسجد للصلاة حفَّت به، وإذا جلس في طاعة الله شرَعت تدعو له:"اللهم ارحمه، اللهم اغفر له".